تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

وكذلك كانت الدروس فيها تفسير، وفيها حديث، وفيها فقه، وفيها لغة، وفيها جدال ديني.

والذي يظهر أن الأمويين لم يشجعوا من هذه الحركات الثلاث إلا الحركة الأدبية والقصص الرسمي، ففتحوا أبوابهم للشعراء والخطباء، وبذلوا لهم الأموال، وعينوا القصاص في المساجد، ولم يفعلوا شيئا من ذلك للعلماء والفلاسفة، ولعل السبب في ذلك أمران: (الأول):

أن حكم الأمويين بني على الضغط والقهر، فكانت حاجتهم إلى الشعراء والقصاص أشد؛ لأنهم هم الذين يبشرون بهم، ويشيدون بذكرهم، ويقومون في ذلك مقام الصحافة لأحزابها؛ ومن أجل هذا لم يكن ينال الحظوة عند خلفاء بني أمية إلا من كان مادحا لهم، فأما الشعراء العلويون والزبيريون ونحوهم فيحمدون الله أن سلموا منهم. (الثاني):

أن نزعة الأمويين نزعة عربية جاهلية لا تتلذذ من فلسفة، ولا من بحث ديني عميق، إنما يلذ لها الشعر الجيد، والخطبة البليغة، والحكمة الرائعة، قال المسعودي: «كان عبد الله بن مروان يحب الشعر والفخر والتقريظ والمدح، وكان عماله على مثل مذهبه»، وشأن أكثر بني أمية شأن عبد الملك؛ نستثني منهم خالد بن يزيد بن معاوية، فقد كان له نزعة فلسفية - كما أسلفنا - فوق نزعته الأدبية، قال فيه الجاحظ في البيان والتبيين: «وكان خالد بن يزيد بن معاوية خطيبا شاعرا، وفصيحا جامعا، وجيد الرأي، كثير الأدب، وكان أول من ترجم كتب النجوم والطب والكيمياء».

كما نستثني عمر بن عبد العزيز، فقد كانت نزعته دينية وقد شقي به الشعراء؛ دخل عليه المصيب بعد ما ولي الخلافة، فقال له: إيه يا أسود أنت الذي تشهر النساء بنسيبك؟ فقال: إني تركت ذلك يا أمير المؤمنين، وعاهدت الله ألا أقول، وشهد له بذلك من حضر فأعطاه.

إذا عدونا هذين (خالدا وعمر) لم نجد كبير أثر للأمويين في تشجيع الحركة الفلسفية والدينية والتاريخية، كالذي نجده للعباسيين مثلا؛ ومع هذا فقد نشطت هذه الحركات من نفسها، أما الحركة الدينية فللباعث الديني، وكان قويا إذ ذاك؛ وأما الحركة الفلسفية فلأن الدين في آخر عهد الأمويين اضطر إلى استخدام الفلسفة لمجادلة اليهود والنصارى، ولمحاربة الفرق الإسلامية بعضها لبعض، وأما الحركة التاريخية، فلما كان لها من صبغة دينية.

في هذا العصر كان العلم - ولا سيما الديني - يدرس في المساجد، يجلس الأستاذ في المسجد وحوله الآخذون عنه على شكل حلقة، وتكبر الحلقة وتصغر تبعا لقدر الأستاذ؛ فالسيوطي في الإتقان يحدثنا أن عبد الله بن عباس كان يجلس بفناء الكعبة وقد اكتنفه الناس يسألونه عن تفسير القرآن، ويحدثنا ابن خلكان أن ربيعة الرأي كان يجلس في مسجد رسول الله

صلى الله عليه وسلم

في المدينة ويأتيه مالك والحسن وأشراف أهل المدينة، ويحدق الناس به، وكانت حلقته وافرة، وكذلك كان مجلس الحسن البصري في مسجد البصرة، وقد يكون في المسجد جملة حلقات تجتمع كل حلقة على شيخ، كما حدثونا أن عمرو بن عبيد ونفرا معه كانوا يجلسون في حلقة الحسن البصري، ثم اعتزلوا حلقة الحسن وحلقوا (أي: أنشئوا لهم حلقة خاصة)! وكذلك كان يفعل جعفر الصادق في المدينة، قالوا: وكان يشتغل بالكيمياء والزجر والفأل؛ ومثل هؤلاء كثيرون موزعون في الأمصار اتخذوا المساجد مدارس يعلمون فيها العلوم المختلفة، ولم أر ما يدل على أن المسلمين أنشئوا في هذا العصر مدارس خاصة للعلم إلا ما نقل المقريزي «عن الواقدي أن عبد الله بن أم مكتوم قدم مهاجرا إلى المدينة مع مصعب بن عمير، وقيل: قدم بعد بدر بقليل، فنزل دار القراء»، ولم نعلم كثيرا عن دار القراء هذه وهل خصصت للمدارسة أو لا، وحكى السيد أمير علي في كتابه «مختصر تاريخ العرب»: أن الحر بن يوسف بن الحكم بن أبي العاص بن أمية - وكان عاملا لهشام بن عبد الملك على الموصل - بنى مدرسة بالموصل، ولكن لم يذكر له مستندا، والذي في ابن الأثير أن الحر هذا بنى المنقوشة، وهي دار يسكنها، وسميت المنقوشة؛ لأنها كانت منقوشة بالساج والرخام والفصوص الملونة وما شاكلها، ولم يذكر أنه بنى مدرسة، والذي نعرفه أن بعض المدارس التي كانت في الممالك قبل الفتح ظلت على حالها بعد الفتح كبعض مدارس السريانيين، أما الأمويون فلا نعلم أنهم أنشئوا مدارس، ولكن كانت الدراسة العلمية في البيوت والمساجد.

فجر الإسلام · الصفحة ٧٨

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

فجر الإسلامص ٧٨