تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

هذا في عصر الصحابة، فلما جاء عصر التابعين ومن بعدهم قويت الحركة العلمية بسبب الفتوح، ودخول الأمم المتحضرة في الإسلام، والحاجة إلى تشريع واسع يتفق وما أحدثت المدينة من أحداث لم تكن، فكثر التدوين، فابن خلكان يحدثنا أن وهب بن منبه المتوفى سنة 110ه وعمره تسعون سنة، ألف في ترجمة الملوك المتوجة من حمير وأخبارهم وقصصهم وقبورهم وأشعارهم.

وابن سعد في الطبقات يذكر لنا أن هشام بن عروة بن الزبير قال: «أحرق أبي يوم الحرة كتب فقه كانت له، قال: فكان يقول بعد ذلك لأن تكون عندي أحب إلي من أن يكون لي مثل أهلي ومالي»

38 .

ويقول في موضع آخر عن عبد الرزاق قال: «سمعت معمرا قال: كنا نرى أنا قد أكثرنا عن الزهري حتى قتل الوليد، فإذا الدفاتر قد حملت على الدواب من خزائنه - يقول - من علم الزهري»

39 .

ويروي الأغاني «أن عبد الحكم بن عمرو بن عبد الله بن صفوان الجمحي (وكان في العصر الأموي) قد اتخذ بيتا فجعل فيه شطرنجات ونردات وقرقات ودفاتر فيها من كل علم، وجعل في الجدار أوتادا، فمن جاء علق ثيابه على وتد منها، ثم جر دفترا فقرأه، أو بعض ما يلعب به فلعب به»

40 .

وهذه كما ترى صورة لناد فيه أدوات اللعب وأدوات القراءة وفيه لعب وقراءة.

ويقول ابن خلكان أيضا إن ابن شهاب الزهري «كان إذا جلس في بيته وضع كتبه حوله، فيشتغل بها عن كل شيء من أمور الدنيا، فقالت له امرأته يوما: والله لهذه الكتب أشد علي من ثلاث ضرائر»، وقد توفي سنة 124ه، «وأن أبا عمرو بن العلاء وقد ولد نحو سنة سبعين للهجرة كانت كتبه التي كتب عن العرب الفصحاء قد ملأت بيتا له إلى قريب من السقف، ثم إنه تقرأ - أي: تنسك - فأخرجها

41

كلها، فلما رجع إلى علمه الأول لم يكن عنده إلا ما حفظه بقلبه، وكانت عامة أخباره عن أعراب قد أدركوا الجاهلية»؛ وقد روينا من قبل أن خالد بن يزيد بن معاوية كتب ثلاث رسائل في الكيمياء وما إليها، ذكر ابن النديم أن زياد بن أبيه ألف كتابا في علم الأنساب في مثالب العرب، وطعن فيه في أنسابهم لما طعن الناس فيه.

هؤلاء وأمثالهم كانوا في العصر الأموي، وهذه الأخبار وإن كان بعضها محلا للشك، فهي في جملتها تدلنا على أن التدوين لم ينشأ في العصر العباسي كما يزعم بعضهم، ولكنه كان قبل ذلك، ويظهر مما عثرنا عليه أن التدوين بدأ بتقييد العلم من غير أن تظهر فيه للمؤلف شخصية ما، وليس له إلا الجمع، وكانت الكتب عبارة عن صحف يكتب عليها، وقد تكون صحفا مفرقة ومبعثرة، فلما دخل الفرس والروم في الإسلام - وكانوا ذوي حضارة قديمة وكتب مؤلفة من قبل - أدخلوا على اللغة العربية بعد أن تعلموها نظام تأليف الكتب بالمعنى الذي نفهمه الآن من جمع ما يتعلق بالموضوع الواحد في كتاب واحد.

ولكن ما كتب في عصر الأمويين لم يصل إلى أيدينا منه إلا القليل، وأغلب هذه الكتب أخذت عن العلماء من طريق الرواية، وأدمجت في كتب العباسيين التي كانت أتم نظاما، وأرقى في فن التأليف؛ وبعض هذه الكتب الأموية كانت موجودة في العصر العباسي وما بعده؛ فابن النديم يقول: إنه رأى صفحات أبي الأسود الدؤلي في النحو، وإنه رأى كتاب عبيد بن شرية في الأمثال؛ وابن خلكان يقول: إنه رأى كتاب وهب بن منبه في تاريخ اليمن، ولكن في عهدنا هذا لم يصلنا شيء يصح أن يوثق به إلا قليلا.

هذا مجمل الحركة العلمية في ذلك العصر، وسيأتي بعض تفصيل لها في الأبواب التالية.

الفصل الرابع عشر

| مراكز الحياة العقلية

نلاحظ أن الدين والفن والعلم والأدب تنبع دائما من المدن، وتزهر فيها، كان ذلك في القديم، وهو كذلك في الحديث؛ فأنت الآن ترى الأفكار الجديدة وآراء المصلحين إنما تنشأ في المدن أولا؛ وكذلك معاهد العلم والأدب والفن من مدارس وجامعات ومكتبات وصحف ومتاحف، إنما تعظم وتكثر في المدن لا في القرى، ولذلك أسباب أهمها: أن المدن أكثر ناسا وأوفر عمرانا، وقد نشأت كثرة الناس والعمران من وفرة المؤن، إما لسبب مباشر كخصب الأرض وجودتها وكثرة غلاتها، أو غير مباشر كأن تتبادل المدينة مصنوعاتها مع أمة أخرى خصبة الأرض كثيرة الغلات أو نحو ذلك؛ وكثرة السكان على هذا النحو تستتبع نوعا من الغنى يستطيع معه أهله أن يجدوا زمنا يصرفونه في غير كسب القوت، كما يستتبع نوعا من الرقي السياسي يستطيع الناس معه أن يتبادلوا الآراء والأفكار، وينظروا إلى الحياة غير هذا النظر المادي الوضيع، فينشأ الرأي، وينشأ العلم، ويزهو الأدب

فجر الإسلام · الصفحة ٨٠

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

فجر الإسلامص ٨٠