وقد بدأت هذه الحركة في حياة رسول الله
صلى الله عليه وسلم ، ثم أخذت في الاتساع بعده، وقام أصحابه بقسط وافر منها.
وبديهي أن أصحاب رسول الله كانوا مختلفين اختلافا كبيرا في درجتهم العلمية، كاختلافهم في الفضائل الأخرى؛ فكان بعضهم أشجع من بعض، وبعضهم أكرم من بعض، كذلك كان بعضهم أعلم من بعض، جاء في الحديث أن رسول الله قال: «إن مثل ما بعثني به الله من الهدى والعلم كمثل غيث أصاب أرضا، فكان منها طائفة طيبة قبلت الماء فأنبتت الكلأ العشب الكثير، وكان منها أجادب أمسكت الماء فنفع الله تعالى بها الناس فشربوا منها وسقوا وزرعوا، وأصاب طائفة منها أخرى إنما هي قيعان لا تمسك ماء ولا تنبت كلأ» ... إلخ
8 .
ويقول مسروق وهو من التابعين: «لقد جالست أصحاب محمد
صلى الله عليه وسلم
فوجدتهم كالإخاذ
9
فالإخاذ يروي الرجل، والإخاذ يروي الرجلين، والإخاذ يروي العشرة، والإخاذ يروي المائة، والإخاذ لو نزل به أهل الأرض لأصدرهم»
10 .
واشتهر من الصحابة ستة أو سبعة عدوا الطبقة الأولى في العلم، يختلف العادون في بعضهم، فيضعون واحدا مكان آخر، وهم عمر، وعلي، وابن مسعود، وابن عمر، وابن عباس، وزيد بن ثابت، وعائشة؛ وهؤلاء كلهم من قريش، ما عدا ابن مسعود فإنه هذلي، وزيد بن ثابت فهو من الأنصار، ويقول مسروق: «شاممت أصحاب رسول الله
11
فوجدت علمهم انتهى إلى ستة، إلى عمر وعلي وعبد الله (ابن مسعود) ومعاذ وأبي الدرداء وزيد بن ثابت، فشاممت هؤلاء الستة فوجدت علمهم انتهى إلى علي وعبد الله»
12
وروى يزيد بن عميرة السكسكي، وكان تلميذا لمعاذ بن جبل: «أنه لما حضرت الوفاة معاذا أمره أن يطلب العلم من أربعة: عبد الله بن مسعود، وعبد الله بن سلام، وسلمان الفارسي وأبي الدرداء»، فترى من هذا اختلافهم فيمن هو الأعلم، واختلاف النظر في هذا طبيعي في كل عصر وكل أمة.
وعلى كل حال فقد عد بضعة من الصحابة هم الطبقة الأولى في العلم، وعد عشرون من الطبقة الثانية، ونحو مائة وعشرين من الطبقة الثالثة
13
ويطول بنا القول لو عددنا أسماءهم وبينا نسبهم.
ونحن إذا ألقينا نظرة على الطبقة الأولى - بعد قراءة تاريخهم العلمي - وجدنا شخصياتهم العلمية مختلفة؛ فعمر بن الخطاب - مثلا - لا نجد له كثيرا من الأقوال في تفسير القرآن، كما لا نجده مكثرا في جمع الحديث، ولكن ميزته الكبرى - على ما يظهر لنا - قوته الفطرية في الحكم على الأشياء، وإصابته في معرفة العدل والظلم، وخبرته الواسعة بالعالم الذي يحيط به، يقول أبو ذر: سمعت رسول الله
صلى الله عليه وسلم
يقول: «إن الله وضع الحق على لسان عمر يقول به».
وهذه الميزة تفسر لنا بوضوح مواضع كفايته، فعقله عقل قضائي، كان يفتي الناس حتى في حياة رسول الله، ورويت عنه أحكام كثيرة في مشكلات المسائل، وفراسته في الناس وفيمن يوليه الأعمال فراسة في منتهى الصدق، جاء في العقد الفريد: كان عبد الله بن عباس من أحب الناس إلى عمر بن الخطاب، وكان يقدمه على الأكابر من أصحاب محمد
صلى الله عليه وسلم
ولم يستعمله قط، فقال له يوما: كدت أستعملك، ولكني أخشى أن تستحل الفيء على التأويل، فلما صار الأمر إلى علي استعمله على البصرة فاستحل الفيء على تأويل قول الله تعالى:
واعلموا أنما غنمتم من شيء فأن لله خمسه وللرسول ولذي القربى ، كذلك إدراته للمملكة الإسلامية على سعتها، ومواجهته لأمور عظام نشأت عن الفتح، لم تكن في عهد الرسول
صلى الله عليه وسلم
ولا أبي بكر، تحتاج إلى عقل كبير في تصريفها والتشريع لها، كل هذا ونجاحه فيه يجعلنا - من غير شك - نقرأ في عمر سعة العلم، ويجعلنا نتصور نوع العلم الذي كان به ممتازا.
على العكس من ذلك نرى ابنه عبد الله، وهو أحد علماء الصحابة، فهو يعطينا صورة علمية غير صورة عمر: جماع للحديث، يتلمسه حيث كان، ويتحرى ألفاظ النبي