تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

صلى الله عليه وسلم

بدقة، يقول أبو جعفر: «ولم يكن أحد من أصحاب رسول الله

صلى الله عليه وسلم

إذا سمع من رسول الله حديثا أجدر ألا يزيد فيه ولا ينقص منه ولا، ولا، من عبد الله بن عمر بن الخطاب»؛ ولكنه كما قال الشعبي: «كان جيد الحديث ولم يكن جيد الفقه

14 ، حمله الورع والخوف من الله ألا يكثر من الفتوى وألا يدخل في شيء من الفتن»، يقول ابن الأثير: «وكان ابن عمر شديد الاحتياط والتوقي لدينه في الفتوى، وكل ما تأخذه به نفسه، حتى إنه ترك المنازعة في الخلافة مع كثرة ميل أهل الشام إليه ومحبتهم له، ولم يقاتل في شيء من الفتن، ولم يشهد مع علي شيئا من حروبه»

15

كما اشتهر بأنه ثقة في رواية الحوادث التاريخية التي وقعت في صدر الإسلام لاتصاله برسول الله

صلى الله عليه وسلم

والخلفاء من بعده واهتمامه بتعرفها، فترى من هذا أن شخصيته العلمية كانت كثرة الجمع ودقة النقل، لا كثرة الاستنباط، ولا وفرة الفتوى.

ونموذج آخر نراه في عبد الله بن عباس، كما تصوره لنا كتب السير والتفسير، فقد كان واسع الاطلاع في نواح مختلفة، يعرف الشعر والأنساب وأيام العرب، ويجتهد في تعرف ما عند الصحابة من حديث وعلم، يقول: «وجدت عامة حديث رسول الله عند الأنصار، فإن كنت لآتي الرجل فأجده نائما، لو شئت أن يوقظ لي لأوقظ، فأجلس على بابه تسفي على وجهي الريح، حتى يستيقظ متى استيقظ، وأسأله عما أريد ثم أنصرف»؛ كذلك كان يعلم ما ورد في تفسير القرآن، وأسباب نزوله، وحساب الفرائض والمغازي، ويعرف شيئا من الكتب الأخرى كالتوراة والإنجيل، وكانت أكثر حياته حياة علمية يتعلم ويعلم، لم يشتغل بالإمارة إلا قليلا، لما استعمله علي على البصرة، وعمر طويلا، فقد مات نحو سنة 70ه عن نحو سبعين عاما؛ وكان عبد الله بن عمر يتهمه بالجرأة في تفسير القرآن ثم عدل عن ذلك

16 .

فترى من هذا صورة أخرى غير السابقتين، ترى فيها ضربا من تخصيص الحياة للعلم، وضربا من سعة الاطلاع في نواح علمية مختلفة، نعم قد أحيط اسمه ببعض المبالغات - على ما يظهر - نشأت في الدولة العباسية لما كان جد الخلفاء، ولكن لهذه المبالغات أساسا صحيحا من سعة العلم وقوة الحجة، وأكثر ما اشتهر به أقواله في تفسير القرآن.

وشخصية رابعة هي أصعب ما يكون تصويرا؛ دخلها من المبالغات والأكاذيب ما وقف المؤرخ حائرا، تلك هي شخصية علي بن أبي طالب؛ فليس هناك من الشخصيات في ذلك العصر ما دار حوله الجدل، وأفرط فيه المحبون والكارهون، واختلق حوله المختلقون، وتأسست من أجله المذاهب الدينية، كالذي كان لشخصية علي؛ فقد رووا عنه 686 حديثا مسندا إلى رسول الله

صلى الله عليه وسلم

لم يصح منها إلا نحو خمسين

17 ، ونسبوا إليه ديوان شعر، ويقول المازني: إنه لم يصح أن تكلم بشيء من الشعر غير بيتين:

تلكم قريش تمناني لتقتلني

فلا وربك ما بروا ولا ظفروا

فإن هلكت فرهن ذمتي لهم

بذات ودقين لا يعفو لها أثر

18

ونسبوا إليه ما في نهج البلاغة، وهو يشتمل على كثير من الخطب والأدعية والكتب والمواعظ والحكم، وقد شك في مجموعها النقاد قديما وحديثا كالصفدي وهوار

Huart

19

واستوجب هذا الشك أمور: ما في بعضه من سجع منمق، وصناعة لفظية - لا تعرف لذلك العصر - كقوله: «أكرم عشيرتك فإنهم جناحك الذي به تطير، وأصلك الذي إليه تصير»، وما فيه من تعبيرات إنما حدثت بعد أن نقلت الفلسفة اليونانية إلى العربية وبعد أن دونت العلوم، كقوله: «الاستغفار على ست معان، والإيمان على أربع دعائم»، وكالذي فيه من وصف الدار وتحديدها بحدود هي أشبه بتحديد الموثقين، كقوله: «وتجمع هذه الدار حدود أربعة، الحد الأول ينتهي إلى دواعي الآفات» ... إلخ، هذا إلى ما فيه من معان دقيقة منمقة على أسلوب لم يعرف إلا في العصر العباسي، كما ترى في وصف الطاووس؛ كما نسبوا إليه كتابا في الجفر، تذكر فيه الحوادث التي تحدث إلى انقراض العالم؛ وحكايته مع أبي الأسود الدؤلي في وضع النحو معروفة مشهورة؛ كل هذا ما يجعل من العسير على المؤرخ الناقد وصف شخصيته العلمية وصفا يطمئن إليه، أي ما في نهج البلاغة لعلي؟ وأيها ليس له؟ وأي ما روي عنه من الحكم والأمثال له؟ وأيها ليس له؟ وأي الأحاديث وما صدر عنه من الأحكام، وما استشاره فيه الخلفاء من الشئون يصح عنه؟ وأيها لا يصح؟ كل هذه الأشياء لا تزال مجالا للبحث.

فجر الإسلام · الصفحة ٧٠

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

فجر الإسلامص ٧٠