ثم شرح أحكاما في الزواج والطلاق والشئون المدنية والجنائية، كانت قانونا نظم أمور المسلمين في معيشتهم الاجتماعية والاقتصادية، واتخذه الفقهاء والمشرعون مرجعهم يستنبطون منه الأحكام، ويستهدونه فيما يعرض من حوادث جديدة خلقتها مدنيتهم، فكان ذلك أساسا لحركة تشريعية واسعة، نعرض لوصفها فيما بعد.
ذلك عدا ما له من أثر لغوي ولساني، موضعه قسم آخر من الكتاب. (الثالث):
وشيء آخر للإسلام كان له أثر كبير في الحياة العقلية، وهو أنه سلك في دعوته إلى الإيمان بالله وصفاته من علم وقدرة ووحدانية مسلكا يثير العقل، وهو الدعوة إلى النظر إلى ما في العالم من ظواهر:
أولم ينظروا في ملكوت السماوات والأرض وما خلق الله من شيء ،
فلينظر الإنسان مم خلق ،
فلينظر الإنسان إلى طعامه * أنا صببنا الماء صبا * ثم شققنا الأرض شقا * فأنبتنا فيها حبا * وعنبا وقضبا * وزيتونا ونخلا * وحدائق غلبا * وفاكهة وأبا * متاعا لكم ولأنعامكم ،
لا الشمس ينبغي لها أن تدرك القمر ولا الليل سابق النهار وكل في فلك يسبحون ،
إن في خلق السماوات والأرض واختلاف الليل والنهار لآيات لأولي الألباب * الذين يذكرون الله قياما وقعودا وعلى جنوبهم ويتفكرون في خلق السماوات والأرض ربنا ما خلقت هذا باطلا سبحانك ،
ومن آياته خلق السماوات والأرض واختلاف ألسنتكم وألوانكم ؛ إلى كثير من أمثال هذا.
هذا الضرب من الآيات بعث العقل على النظر في الكون، وكان له أثر في نمو الحياة العقلية.
ولعل هذا - أعني النظر في الكون للاستدلال منه على الله وصفاته - هو الذي كان يطلق عليه القرآن الحكمة، فقد قال تعالى:
ولقد آتينا لقمان الحكمة ، ونحن إذا قرآنا ما ورد في القرآن من أقوال وجدناها من هذا النوع، وقال:
يؤتي الحكمة من يشاء ومن يؤت الحكمة فقد أوتي خيرا كثيرا ، وسمى موضع العظة حكمة:
ولقد جاءهم من الأنباء ما فيه مزدجر * حكمة بالغة فما تغن النذر ، وسمى ما أوحى الله به إلى محمد حكمة لهذا فقال:
ذلك مما أوحى إليك ربك من الحكمة ... إلخ، وقد سئل مالك: ما الحكمة؟ قال: المعرفة بالدين، والفقه فيه، والاتباع له
6 .
وكذلك لفظ العلم؛ فالقرآن لم يستعمل الكلمة بالمعنى الذي استعمل بعد، حين تقول: «علم النحو» أو «علم الفقه» وهو ما يقابل كلمة
Science ، وإنما استعملها - على ما يظهر - بمعنى المعرفة بأوسع معانيها:
وفوق كل ذي علم عليم ،
ومنكم من يرد إلى أرذل العمر لكي لا يعلم بعد علم شيئا .
وهو بهذا المعنى يطلق حتى على المعارف الدنيوية، كما ورد على لسان قارون:
قال إنما أوتيته
7
على علم عندي ؛ أي: معرفة بطرق كسب المال، ولكن أكثر ما يستعمل في هذا النوع من المعرفة الذي يوصل إلى الهداية، كأنه هو المعرفة التي يعتد الله بها، فهو في هذا قريب من معنى الحكمة الذي ذكرنا
إنما يخشى الله من عباده العلماء ،
ولقد آتينا داوود وسليمان علما ،
ولئن اتبعت أهواءهم بعد الذي جاءك من العلم ما لك من الله من ولي ولا نصير ... إلخ.
وصف الحركات العلمية وأشهر القائمين بها: إذا نظرنا إلى الحركات العلمية في صدر الإسلام إلى آخر الدولة الأموية وجدناها اتجهت ثلاثة اتجاهات: حركة دينية، ونعني بها البحث في الشئون الدينية من تفسير القرآن وحديث وتشريع؛ وما إلى ذلك؛ وحركة في التاريخ والقصص والسير ونحوها؛ وحركة فلسفية في منطق وكيمياء وطب وما إليها، ونعيد هنا ما ذكرنا قبل، من أنا إذا قلنا حركة علمية فلسنا نعني علوما منظمة لها أبواب وفصول، فذلك ما لم يصل إليه هذا العصر، وإنما نعني النواة التي تكونت حولها العلوم بعد، وسنصف هذه الحركات الثلاث وصفا إجماليا:
الحركة الدينية: : كانت هذه الحركة أكبر الحركات وأوسعها نطاقا، فقد أقبل الناس على القرآن يفهمون معانيه، ويفسرون آياته، ويستنبطون منه الأحكام، وكذلك فعلوا في الحديث.