تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

3

ولندرة الكتابة كانوا يلقبون من جمع بين معرفة الكتابة والرمي والعوم «الكامل»، فلقبوا بهذا اللقب سعد بن عبادة، وأسيد بن حضير وعبد الله بن أبي

4 ، وقد رأيت فيما قبل أنه في الجاهلية لقب به سويد بن الصامت.

فلما جاء الإسلام استكتب رسول الله

صلى الله عليه وسلم

بعض هؤلاء الذين يعرفون الكتابة لكتابة ما ينزل من القرآن، فكان أول من كتب له مقدمه المدينة أبي بن كعب الأنصاري، فكان أبي إذا لم يحضر دعا رسول الله

صلى الله عليه وسلم

زيد بن ثابت الأنصاري، فكتب له؛ فكان أبي وزيد يكتبان الوحي بين يديه وكتبه إلى من يكاتب من الناس ومن يقطع وغير ذلك، وأول من كتب له من قريش عبد الله بن سعد بن أبي سرح ثم ارتد ... إلخ

5 ، ثم كتب له

صلى الله عليه وسلم

عثمان بن عفان، وشرحبيل بن حسنة، وأبان بن سعيد، وخالد بن سعيد، والعلاء بن الحضرمي، ومعاوية بن أبي سفيان، ويروي الواقدي أن حنظلة بن الربيع كتب بين يدي رسول الله

صلى الله عليه وسلم

مرة فسمي حنظلة الكاتب.

وحتى هؤلاء الذين كانوا يكتبون الوحي لم يكونوا مهرة في الكتابة، ولا كتابتهم سائرة على نمط واحد، ولا خاضعة لقوانين الإملاء، فكتبوا «لا أذبحنه» بزيادة ألف، وكذلك «لا أوضعوا»، وكتبوا «بأييد» بياءين، وكتبوا «امرأت فرعون» و«قرت عين لي ولك» بتاء مفتوحة، وحذفوا الألفات من مواضع دون مواضع مع تساويها في نظر الإملاء، وسبب ذلك - كما يعلله ابن خلدون - ضعفهم في صناعة الخط، وأنهم لم يبلغوا حد الإجادة فيها.

أثر الإسلام في الحركة العلمية: وجاء الإسلام فأفاد الحركة العلمية من وجوه: (الأول):

أن نشر الدين كان يستتبع الحاجة إلى القارئين الكاتبين، فقد كانت آيات القرآن تكتب ويتلوها من يعرف القراءة على من لم يعرف، وقد جاء في حديث إسلام عمر: «أنه عمد إلى أخته وختنه وعندهما خباب بن الأرت معه صحيفة فيها «طه» يقرئها إياها»؛ فكان طبيعيا أن يشجع النبي

صلى الله عليه وسلم

على تعلم الكتابة؛ وقد ورد أنه في غزوة بدر «كان فداء بعض الأسرى الذين يكتبون أن يعلموا عشرة من صبيان المدينة الكتابة»، ورأى بعض المسلمين أنهم في حاجة إلى الكتابة ليعرفوا دينهم على الوجه الأكمل.

بل حث النبي

صلى الله عليه وسلم

بعض أصحابه أن يتعلموا لغة غير اللغة العربية، لما دعت الحاجة إلى ذلك - بعد انتشار الإسلام - ففي «البخاري» عن زيد بن ثابت قال: «أتي بي النبي

صلى الله عليه وسلم

مقدمه المدينة، فقيل: هذا من بني النجار، وقد قرأ سبع عشرة سورة، فقرأت عليه فأعجبه ذلك، فقال: تعلم كتاب (كتابة) يهود، فإني ما آمنهم على كتابي، ففعلت، فما مضى لي نصف شهر حتى حذقته، فكنت أكتب له إليهم؛ وإذا كتبوا إليه قرأت له»، وفي حديث آخر: «عن زيد بن ثابت قال: قال لي النبي

صلى الله عليه وسلم : إني أكتب إلى قوم فأخاف أن يزيدوا علي أو ينقصوا، فتعلم السريانية، فتعلمتها في سبعة عشر يوما».

ولما فتحت البلاد كان العنصر العربي هو العنصر الحاكم، فكان لا بد له أن يتعلم وأن يقرأ ويكتب، فكثرت القراءة والكتابة وخاصة في عهد التابعين.

كذلك هؤلاء الداخلون في الإسلام من غير العرب اضطروا إلى تعلم العربية لدينهم ولدنياهم، حتى اضطروا أن يتعلموا النحو لإصلاح لغتهم، كما نقلنا ذلك عن أبي عبيدة.

أضف إلى ذلك أن الفتح الإسلامي استتبع الحضارة، فبنيت - في عهد عثمان ومن بعده - الدور والقصور وشيدت بالكلس، وجعلت أبوابها من الساج، واقتنى كثير من الصحابة الأموال والجنان والعيون، كالزبير بن العوام وعبد الرحمن بن عوف وسعد بن أبي وقاص والمقداد، وهذا من غير شك يستتبع رقي الصناعة ومنها الكتابة. (الثاني):

مما أثر به الإسلام في الحركة العلمية أنه نشر بين العرب كثيرا من التعاليم التي أبناها من قبل، فرفعت مستواهم العقلي كما نشر بينهم كثيرا من أحوال الأمم الأخرى وتاريخها، بإطناب أحيانا وبإيجاز أحيانا، حسبما يدعو إليه موقف العظة، فقص علينا قصة آدم ونوح وإبراهيم ويوسف وموسى ويونس وداود وسليمان وغيرهم عليهم السلام، وشيئا من أخبار أممهم، في أسلوب جذاب، هيج النفوس إلى الاستزادة، وتعرف ما عند الأمم الأخرى منها - كاليهود والنصارى - فكان في ذلك من الثقافة، أفاد المسلمين ووسع مداركهم.

فجر الإسلام · الصفحة ٦٧

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

فجر الإسلامص ٦٧