رب خال متوج لي وعم
ماجد مجتدى كريم النصاب
إنما سمي الفوارس بالفر
س مضاهاة رفعة الأنساب
فاتركي الفخر يا أمام علينا
واتركي الجور وانطقي بالصواب
واسألي - إن جهلت - عنا وعنكم
كيف كنا في سالف الأحقاب
إذ نربي بناتنا وتدس
ون سفاها بناتكم في التراب
ولإسماعيل هذا قصيدة طويلة لطيفة، تقرأ فيها روح القصص الفارسي وجودة التسلسل المنطقي، مطلعها:
كلثم أنت الهم يا كلثم
وأنتمو دائي الذي أكتم
أكاتم الناس هوى شفني
وبعض كتمان الهوى أحزم
قد لمتني ظلما بلا ظنة
وأنت فيما بيننا ألوم
وفيها يقول:
لا تتركيني هكذا ميتا
لا أمنح الود ولا أصرم
أوفي بما قلت ولا تندمي
إن الوفي القول لا يندم
ثم يقول:
أخافت المشي حذار العدى
والليل داج حالك مظلم
ودون ما حاولت إذ زرتكم
أخوك والخال معا والحم
وليس إلا الله لي صاحب
إليكم والصارم اللهذم
حتى دخلت البيت فاستذرفت
من شفق عيناك لي تسجم
ثم انجلى الحزن وروعاته
وغيب الكاشح والمبرم
إلى آخر الأبيات
5 ، ولإبراهيم أخيه كذلك شعر يعتز فيه العجم، ويفخر به على العرب.
أضف إلى هذا أن كثيرا من الشعراء والأدباء والشعراء من العرب كانوا ينزلون فارس أو العراق، ويخالطون أهله، ويرون مدنيته فيكون لها الأثر في شاعريتهم، فكان ينزل العراق الطرماح والكيمت وأبو النجم الراجز، وجرير، والفرزدق، وكان ينزل خراسان نهار بن توسعة وثابت قطنة وابن مفرغ الحميري والمغيرة بن حبناء وغيرهم، ولا يخفى ما للبيئة من تأثير في النفس والخيال. (الثاني):
من وجوه تأثير الأدب الفارسي: الناحية اللغوية، فقد علمت أن العرب في جاهليتها كانت غنية في شئون الحياة البدوية وما يتصل بها، فلما فتحوا فارس وكثيرا من بلاد الروم رأوا من أدوات الزينة والترف ما لم يكونوا قد رأوا، ورأوا من الحرف الدقيقة والفنون الجميلة ما لم يعهدوه، كما رأوا من تنظيم الحكومة وتدوين الدواوين ما لم يكن يخطر لهم على بال، فاضطروا أن يقتبسوا من الأمم المفتوحة ألفاظا يدخلونها في لغتهم، وكانت اللغة الفارسية أقرب منبع يستمدون منه ما يحتاجون إليه، فأخذوا منهم الكوز والجرة والإبريق والطست والخوان والطبق والقصعة والخز والديباج والسندس والياقوت والفيروز والبلور والكعك والفالوذج واللوزينج والفلفل والزنجبيل والقرفة والنرجس والنسرين والسوسن والعنبر والكافور والصندل والقرنفل والبستان والأرجوان والقرمز والسراويل والإستبرق والتنور والجوز واللوز والدولاب والميزان والزئبق والباشق والجاموس والطيلسان والمغنطيس والمارستان والصك وصنجة الميزان والصولجان والكوسج ونوافج المسك والفرسخ والبند - وهو العلم الكبير - والزمرد والآجر والجوهر والسكر والطنبور
6 ... إلخ، ونظرة عامة إلى هذه الأسماء تريك أن العرب اضطروا إلى أخذ كلمات فارسية في كل مرفق من مرافق الحياة، ولا بد أن يكونوا قد أخذوا منهم تراكيب للجمل جديدة ومعاني جديدة وخيالا جديدا، ولكن من العسير تعيين ما أخذوه من هذا النوع بالدقة؛ لأن المعاني والخيال وما إليهما مما يسرق وقل أن يضبط، ولم تسجل أمة معانيها وخيالاتها كما تسجل ألفاظها. (الثالث):
الحكم: كان للفرس أثر كبير في الأخلاق الإسلامية والآداب من ناحية حكمهم، ذلك أن الأخلاق الإسلامية تأثرت بثلاثة مؤثرات: أولها - التعاليم الدينية كالتي وردت في القرآن:
يا أيها الذين آمنوا اتقوا الله وكونوا مع الصادقين ،
اعدلوا هو أقرب للتقوى ،
لا تظلمون ولا تظلمون ،
يا أيها الذين آمنوا أوفوا بالعقود ، إلى كثير من أمثال ذلك، وكالتي وردت في الأحاديث: «أحب لأخيك كما تحب لنفسك»، وكما روي من تعاليم الديانات السابقة كالتوراة والإنجيل وأمثال سليمان ونحو ذلك، ثانيها - فلسفة اليونان، وذلك بما نقل منها في العصر العباسي، ومن الأمثلة على ذلك ما تقرؤه في كتاب ابن مسكويه من شرح نظرية أرسطو في أن كل فضيلة وسط بين رذيلتين، ومن نظرية أفلاطون في أسس الفضائل الأربعة، وهي: الحكمة والعفة والشجاعة والعدل، ونحو ذلك، ثالثها - وهو الذي يهمنا هنا - نوع من الحكم والجمل القصيرة تصاغ صوغ الأمثال، أو حكايات تنقل فيها أخبار الملوك ووزرائهم ووعاظهم والحكماء في زمنهم، وما جرى على ألسنتهم، وهذا النوع غمر كتب الأدب، وتأثرت به الأخلاق في الإسلام أكثر من تأثرها بالفلسفة اليونانية؛ ذلك لأنه أقرب إلى العقل العربي؛ فقد أبنت لك قبل أن العقل العربي لا يميل كثيرا إلى البحث المنظم المفصل، ويفضل أن تركز تجارب السنين الطويلة في الكلمات القصيرة، وتؤلف من ذلك جمل، كل جملة في معنى خاص، فكلمة في الشجاعة، وكلمة في الكرم، وثالثة في الوفاء، فأما أما تذكر الشجاعة وتفصل وينظر إليها من جميع نواحيها وفي الأسباب الباعثة عليها ونحو ذلك، فهذا بعيد عن الذوق العربي والعقل العربي وهو بالعقل اليوناني أشبه، ومن أجل هذا لما عثر العربي على هذا النوع من الحكم أعجب به ونقله وأضافه إلى ما كان له في الجاهلية، وكان للفرس في ذلك الشيء الكثير، إما مبتكر من عند أنفسهم، أو منقول من الهند عن طريقهم؛ وأوضح مثل لذلك الأدب الصغير والأدب الكبير لابن المقفع الفارسي، هذا في العصر العباسي، وقبله في العصر الأموي كانت هذه الحكم تنقل ويتداولها العلماء، ويتأدب بها الناس، كما ترى في كثير من كلمات الحسن البصري الفارسي، وتجد كثيرا منها في كتاب عيون الأخبار لابن قتيبة، وسراج الملوك للطرطوشي، والتاج والعقد الفريد.