تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

ومع هذا فقد وصلت إلينا بقية قليلة من اللغة الفهلوية، فهناك أحجار صخرية عليها نقوش فهلوية تتضمن أسماء ملوك ونبذا من تاريخ حياتهم، يرجع عهدها إلى أوائل الملوك الساسانيين، وهناك كتب فهلوية فر بها البرسيون إلى الهند عند الفتح الإسلامي كما أسلفنا، وأكثرها ديني، وهذا هو السر في بقائها في يدهم.

وكذلك بقي - من غير الكتب الدينية - قطعة كبيرة من قانون فارس في عهد الدولة الساسانية، تتضمن الكلام على الأحوال الشخصية كالزواج، وعلى الملكية وعلى الرق، وغير ذلك؛ وكتاب في صناعة تحرير المراسلات وما يحسن في بدئها وفي ختامها، وآداب المراسلات الرسمية؛ ومعجم للغة الفهلوية القديمة؛ وتاريخ خيالي للشطرنج؛ وسير لبعض ملوك الفرس.

ولم يصل إلينا شيء من شعر الدولة الساسانية - على عظمة كثير من ملوكها وحاجتهم إلى من يتغنى بمدائحهم - فهل اكتفى الفن بتعبيراته بالحفر والنقش والبناء والغناء، أو عبر أيضا بالشعر، ولكن عدا عليه الشعر العربي فقتله؟ نحن إلى الثاني أميل.

ومع قلة ما وصل إلينا من الأدب الفارسي، فالظاهر أنه وصل إلى المسلمين في العصور الأولى الإسلامية كتب كثيرة فارسية؛ فكثيرا ما يقول ابن قتيبة في كتابه عيون الأخبار: «وفي كتب العجم كذا» و«قرأت في كتاب «إبرويز» إلى ابنه «شيرويه» وهو في حبسه»؛ وكثيرا ما ينقل صاحب كتاب التاج في أخلاق الملوك عن الفرس وآدابهم وكتبهم.

وقد أثر الأدب الفارسي في الأدب العربي من وجوه : (الأول):

أن كثيرا ممن دخلوا في الإسلام اضطروا - كما أسلفنا - إلى تعلم اللغة العربية، وسرعان ما ظهر منهم ومن نسلهم شعراء؛ وقد ظهر منهم في الدولة الأموية عدد ليس بالقليل، ومن أشهرهم «زياد الأعجم» وأصله ومولده ومنشؤه بأصبهان، ثم انتقل إلى خراسان ولم يزل بها حتى مات

1 ، وكان شاعرا جزل الشعر؛ وسمي الأعجم لهذا الذي ذكره في الأغاني: وهو أنه كان يجري على لغة أهل بلاده؛ ولم يكن يطاوعه لسانه أن ينطق بالحروف العربية، فكان يقول: «ما كنت تسنأ» في (ما كنت تصنع)؛ وإذا كان يقول الشعر عن تعلم لا عن سليقة، فقد كان كثير اللحن في شعره كقوله:

إذا قلت قد أقبلت أدبرت

كمن ليس غاد ولا رائح

وكان ينبغي أن يقول غاديا ولا رائحا

2 .

ومن أشهر هؤلاء الشعراء الفرس أيضا أسرة ابن يسار النسائي

3 ، فهي أسرة فارسية شاعرة، اشتهر منها إسماعيل بن يسار، ومحمد، وإبراهيم؛ وللثلاثة شعر يغنى به؛ وكلهم ذو نزعة فارسية، يتعصب للعجم وينقم من العرب.

ومنهم أبو العباس الأعمى، وأصله من أذربيجان، وموسى شهوات، وأصله كذلك من أذربيجان، إلى كثير غيرهم.

هؤلاء وأمثالهم نشئوا نشأة فارسية، وتأدبوا بالأدب الفارسي، ثم صاغوا أدبهم في القالب العربي فأحكموا التقليد؛ فألفاظهم عربية وتراكيبهم عربية وأوزانهم عربية، ولكن هذا لا يمنع أن بعض المعاني الفارسية والخيال الفارسي والروح الفارسي، كان يتسرب إلى نفوسهم ثم إلى شعرهم، ولو أنا عثرنا على نماذج من الأدب والشعر الساساني، لأمكن بوضوح المقارنة بين الأدبين، وشرح الاقتباس كيف كان؛ ولكن مع فقد الأدب الفارسي، فإنا نلمح في شعر هؤلاء الذين سمينا معاني جديدة، ونزعات جديدة، نذكر لك أمثلة منها، فقد سجعت حمامة بجانب زياد فقال:

تغني أنت في ذممي وعهدي

وذمة والدي إن لم تطاري

وبيتك أصلحيه ولا تخافي

على صفر مزغبة صغار

فإنك كلما غنيت صوتا

ذكرت أحبتي وذكرت داري

فإما يقتلوك طلبت ثأرا

له نبأ؛ لأنك في جواري

وذكروا أن حبيب بن المهلب لما سمع هذا الشعر قتل حمامته، فاستعدى زياد عليه المهلب فحكم له بدية جارته، أفلست ترى معي أن هذا الشعور

4

على هذا النحو جديد لم أعرفه للعرب قبل؟ ولعل عليه مسحة مانوية من حماية الحيوان.

وقد أسلفنا أن ابن يسار وإخوته كانوا شعوبيين، يقول أبو الفرج في إسماعيل بن يسار: «إنه كان مبتلى بالعصبية للعجم والفخر بهم، فكان لا يزال مضروبا محروما مطرودا»، فخليق بمثل هذه الأسرة أن تتعصب أيضا للأدب الفارسي، كما كانت تنزع النزعة الفارسية، فمن قول إسماعيل يفخر على العرب:

فجر الإسلام · الصفحة ٥٥

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

فجر الإسلامص ٥٥