ومما يلاحظ هنا أن الذوق العربي في هذا النوع من الحكم يشبه مشابهة تامة الذوق الفارسي؛ فالحكم التي تنسب لأكثم بن صيفي في الجاهلية والإمام علي في الإسلام، والتي تنسب لسادات العرب كالأحنف بن قيس، وروح بن زنباع، تشبه في قوالبها وصيغها واتجاه النظر فيها ما يروى في كتب الأدب عن بزرجمهر، وإبرويز، وموبذ موبذان ونحوهم، حتى لقد عقد ابن عبد ربه فصلا في كتابه العقد الفريد تحت عنوان: «أمثال أكثم بن صيفي وبزرجمهر»، ولم يبين ما لكل منهما، فكان من الصعب التمييز في أكثرها بين ما هو لأكثم وما هو لبزرجمهر
7 .
والآن أقص عليك نموذجا صغيرا من هذه الحكم الفارسية: (1)
قال بزرجمهر: «إذا اشتبه عليك أمران، فلم تدر في أيهما الصواب فانظر أقربهما إلى هواك فاجتنبه». (2)
كتب إبرويز إلى ابنه شيرويه: «اجعل عقوبتك على اليسير من الخيانة كعقوبتك على الكثير منها، فإذا لم يطمع منك في الصغير لم يجترأ عليك في الكبير، وأبرد البريد في الدرهم ينقص من الخراج، ولا تعاقبن على شيء كعقوبتك على كسره، ولا ترزقن على شيء كرزقك على إزجائه، واجعل أعظم رزقك فيه، وأحسن ثوابك عليه، حقن دم المزجي وتوفير ماله، من غير أن يعلم أنك أحمدت أمره حين عف واعتصم من أن يهلك». (3)
قال كسرى ليوشت المغني وقد قتل فهلوذ: «في رواية الأغاني فهليذ» حين فاقه وكان تلميذه: «كنت أستريح منه إليك ومنك إليه، فأذهب شطر تمتعي حسدك، ونغل صدرك»، ثم أمر أن يلقى تحت أرجل الفيلة، فقال: «أيها الملك إذا قتلت أنا شطر طربك وأبطلته، وقتلت أنت شطره الآخر وأبطلته، أليست تكون جنايتك على طربك كجنايتي عليه؟»، قال كسرى: «دعوه! ما دله على هذا الكلام إلا ما جعل له من طول المدة». (4)
قال كسرى: «احذروا صولة الكريم إذا جاع، واللئيم إذا شبع». (5)
قال أردشير بن بابك: إن للآذان مجة، وللقلوب مللا، ففرقوا بين الحكمتين. (6) «في سير العجم: أن رجلا وشى برجل إلى الإسكندر، فقال: أتحب أن نقبل منه عليك ومنك عليه؟ قال: لا، قال: فكف الشر يكف عنك الشر».
إلى كثير من أمثال ذلك شحنت بها كتب الأدب. (الرابع):
هناك أمر آخر فارسي، كان له أثر كبير في حياة الأدب العربي، ذلك هو الغناء؛ فالظاهر أن العرب أخذوا كثيرا من النغمات الفارسية، ووقعوا عليها شعرهم العربي، قال أبو الفرج في كتابه الأغاني: «إن الغناء العربي لم يكن يعرف في زمان عمر بن الخطاب، إلا ما كانت العرب تستعمله من النصب والحداء، وذلك جار مجرى الإنشاد، إلا أنه يقع بتطريب وترجيع يسير ورفع للصوت»
8 .
وقال: «سعيد بن مسجح ... مولى بني جمح ... مكي أسود مغن متقدم، من فحول المغنين وأكابرهم، وأول من صنع الغناء منهم، ونقل غناء الفرس إلى غناء العرب، ثم رحل إلى الشام، وأخذ ألحان الروم والبربطية والأسطوخوسية، وانقلب إلى فارس، فأخذ بها غناء كثيرا وتعلم الضرب، ثم قدم إلى الحجاز، وقد أخذ محاسن تلك النغم، وألقى منه ما استقبحه من النبرات والنغم التي هي موجودة في نغم غناء الفرس والروم، خارجة عن غناء العرب، وغنى على هذا المذهب، فكان أول من أثبت ذلك، ولحنه وتبعه الناس بعده».
وحكى رواية أخرى وهي: «أن مسجع مر بالفرس وهم يبنون المسجد الحرام فسمع غناءهم بالفارسية فقلبه إلى شعر عربي:
ألمم على طلل عفا متقادم ... الأبيات».
وحكى «أن مولى ابن مسجح سمعه يتغنى، فسأله: أنى لك هذا؟ قال: سمعت هذه الأعاجم تتغنى بالفارسية فثقفتها وقلبتها في هذا الشعر، قال له: فأنت حر لوجه الله، فلزم مولاه وكثر أدبه، واتسع في غنائه ومهر بمكة».
وفي رواية ثالثة عن صفوان الجمحي عن أبيه قال: «أول من نقل الغناء الفارسي إلى الغناء العربي سعيد بن مسجح مولى بني مخزوم، وذلك أن معاوية بن أبي سفيان لما بنى دوره ... جعل لها بنائين فرسا من العراق، فكانوا يبنونها بالجص والآجر، وكان سعيد بن مسجح يأتيهم فيسمع من غنائهم على بنيانهم، فما استحسن من ألحانهم أخذه ونقله إلى الشعر العربي، ثم صاغ على نحو ذلك»