ومما كان يتصل بعقائد الفرس الدينية وكان له أثر في بعض المسلمين أنهم كانوا ينظرون إلى ملوكهم كأنهم كائنات إلهية اصطفاهم الله للحكم بين الناس، وخصهم بالسيادة وأيدهم بروح من عنده، فهم ظل الله في أرضه، أقامهم على مصالح عباده، وليس للناس قبلهم حقوق، وللملوك على الناس السمع والطاعة، وهو معنى يشبه ما عرف في أوروبا بنظرية «الحق الإلهي
Divine right
وسادت فيها في القرنين السادس عشر والسابع عشر»، ويقول الأستاذ «برون»: «لم تعتنق نظرية الحق الإلهي بقوة كما اعتنقت في فارس في عهد الملوك الساسانية»، وقد كان الأكاسرة يزعمون أن لهم الحق وحدهم أن يلبسوا تاج الملك بما يجري في عروقهم من دم إلهي، ويستدل الأستاذ «نولدكه» على اعتناق الفرس لهذه النظرية بحكاية وردت في كتاب «الأخبار الطوال»: «وهي أن «بهرام جوبين» - ولم يكن من بيت الملك، وقد طلب الملك وحارب كسرى أبرويز فهزمه كسرى فهرب - مر في طريقه بقرية، فنزلها في أصحاب له، ونزلوا في بيت عجوز، فأخرجوا طعاما لهم فتعشوا، وأطعموا فضلته العجوز، ثم أخرجوا شرابا، فقال بهرام للعجوز: أم عندك شيء نشرب فيه؟ قالت: عندي قرعة صغيرة، فأتتهم بها فجبوا رأسها وجعلوا يشربون فيها، ثم أخرجوا نقلا، وقالوا للعجوز: أم عندك شيء يجعل عليه النقل؟ فأتتهم بمنسف
11
فألقوا فيه ذلك النقل، فأمر بهرام فسقيت العجوز: ثم قال لها: ما عندك من الخبر أيتها العجوز؟ قالت: الخبر عندي أن كسرى أقبل بجيش من الروم فحارب بهرام فغلبه، واسترد منه ملكه، قال: فما قولك في بهرام؟ قالت: جاهل أحمق يدعي الملك وليس من أهل بيت المملكة! قال بهرام: فمن أجل ذلك يشرب في القرع، ويتنقل من المنسف! فجرى مثلا في العجم يتمثلون به» اه.
وهو استدلال ليس بالقوي فيما نرى، فإن كل أسرة مالكة متى استمرت في الحكم أجيالا أكسبها ذلك الحق في الملك عند عامة الناس في كل أمة، وإن لم يقدسوا ملوكها.
وربما كان خيرا من هذا في تأييد هذا الرأي ما جاء في كتاب «التاج»: «من أن ملوك آل ساسان لم يكنها أحد من رعاياها قط، ولا سماها في شعر ولا خطبة ولا تقريظ ولا غيره، وإنما حدث هذا في ملوك الحيرة»
12 .
فالظاهر من هذا أن هؤلاء الملوك ترفعوا ورفعهم الشعب، حتى لم يكن من الأدب أن يجري على لسانه اسمهم ولا كنيتهم حتى ولا في الشعر. •••
هذه مذاهب الفرس الدينية، وقد ذابت في المملكة الإسلامية بعد الفتح، وكثير منهم أسلموا ولم يتجردوا من كل عقائدهم التي توارثوها أجيالا، وبمرور الزمان صبغوا آراءهم القديمة بصبغة إسلامية، فنظرة الشيعة في علي وأبنائه هي نظرة آبائهم الأولين من الملوك الساسانين، وثنوية الفرس كانوا منبعا يستقي منه «الرافضة» في الإسلام، فحرك ذلك المعتزلة لدفع حجج الرافضة وأمثالهم؛ أضف إلى ذلك أن تعاليم زردشت، وماني، ومزدك، كانت تظهر من حين لآخر بين المسلمين في أشكال شتى، في أواخر الدولة الأموية والدولة العباسية، واضطر المسلمون أن يجادلوهم ويدفعوا حججهم، ويؤيدوا دينهم بالمنطق والبرهان.
وكانت إثارة هذه المسائل أحيانا تقسم المسلمين أنفسهم إلى فرق، فينحازون إلى مذاهب ويتجادلون فيما بينهم، مما أدى إلى نشأة علم الكلام في الإسلام كما سنبينه بعد.
الفصل التاسع
| الأدب الفارسي
كانت لغة الفرس في عهد الدولة الساسانية هي اللغة الفهلوية، و«زند» الذي هو شرح للأفستا مكتوب بهذه اللغة، وكان لهذا الكتاب الديني أثر في حفظها، ولكن لم يصل إلى عصرنا هذا كثير من ثروة الفرس الأدبية الفهلوية التي كانت منتشرة في الدولة الساسانية وصدر الإسلام، والسبب في ذلك أن دين الإسلام ظفر بدين زردشت وحل محله، كما حلت اللغة العربية والحروف العربية محل اللغة الفهلوية والحروف الفهلوية، فذهاب الحكومة الفارسية ودينها، وحكمها بالعرب، وتحولها من مملكة إلى ولايات إسلامية، ودخول كثير من الفرس في الإسلام، واضطرارهم إلى تعرف اللغة العربية، للدين أو للدنيا أو لهما معا، وازدراء المسلمين لبيوت النيران التي هي شعائر الثنوية؛ كل هذا عرض الديانة الفارسية واللغة الفهلوية للاضمحلال ثم الفناء.