تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

صلى الله عليه وسلم ، بل كانت الأمة الإسلامية جملة أمم، وجملة نزعات، وجملة لغات تتحارب، وكانت الحرب سجالا، فقد ينتصر الفرس، وقد ينتصر العرب، وقد ينتصر الروم.

والحق أن العرب وإن انخذلوا في النظم السياسية والاجتماعية وما إليها من فلسفة وعلوم ونحو ذلك، فقد انتصروا في شيئين عظيمين: اللغة والدين؛ فأما لغتهم فقد سادت هذه الممالك جميعها، وانهزمت أمامها اللغات الأصلية للبلاد، وصارت هي لغة السياسة وهي لغة العلم، وظل هذا الانتصار حليف العرب في أكثر هذه الممالك إلى اليوم؛ وكذلك الدين، فقد ساد هذه الأقطار واعتنقوه، وقل من بقي من سكان هذه البلاد على دينه الأصلي، ومع انتصار هذين العنصرين - اللغة والدين - فقد تأثر كل منهما أثناء هذه الحروب؛ فاللغة لم تعد سليقة وفشا فيها اللحن، حتى احتاجت إلى قوانين تضبطها، قال أبو عبيدة: «مر عبد الله بن الأهتم بقوم من الموالي وهم يتذاكرون النحو فقال: لئن أصلحتموه إنكم لأول من أفسده، قال أبو عبيدة: ليته سمع لحن صفوان وخاقان ومؤمل بن خاقان»

14

وكذلك غلبت على اللغة كلمات أعجمية، وتراكيب أعجمية، وخيال أعجمي، ومعان أعجمية، وقل مثل ذلك في الدين، فهو وإن انتصر فقد تأثر، فتفرق المسلمون فرقا ووضعت المذاهب المختلفة، وشرح القرآن نفسه بما ورد في الكتب الأخرى من أقاصيص بدء الخليقة وما إلى ذلك، وظلت هذه الفرق تتجادل بالقول أحيانا، وبالسيف أحيانا.

والآن نريد أن نتعرض بشيء من التفصيل لبيان ما يتصل بموضوعنا من هذه الحركات، وهي الحركة العقلية، بأوسع معانيها من علم ودين؛ لقد كان للفرس دين، وكان لهم حكمة، وكان لهم عقلية، وكان للروم دين وعلم وعقلية، وقد أثر هذان العاملان أثرا كبيرا في الأمة الإسلامية، فلنشرحهما ونبين أثرهما.

| مصادر هذا الباب

اعتمدنا في الفصل الأول من هذا الباب على: (1)

القرآن. (2)

تاريخ الطبري جزء 2، 3. (3)

Spirit of Islam

للسيد أمير علي. (4)

Literary History of Persia

للأستاذ برون.

عدا ما ذكرناه من الكتب أثناء البحث.

وفي الفصل الثاني على: (1)

كثير من كتب الفقه أهمها الأم للإمام الشافعي، والمبسوط للسرخسي، وفتح القدير في باب السير، والأحكام السلطانية. (2)

دائرة المعارف الإسلامية في مادة «عبد». (3)

فتوح البلدان للبلاذري. (4)

الأخبار الطوال للدينوري.

عدا ما أشرنا إليه في ثنايا الفصل من الكتب.

الجزء

الثالث

| الفرس وأثرهم

الفصل الثامن

| دين الفرس

ضاع استقلال فارس بالفتح الإسلامي كما أسلفنا، وأصبحت ولاية إسلامية، ووقع كثير من الفرس في أيدي العرب أسرى، واسترق بعضهم ووزع على العرب، ودخل كثير من الفرس في الإسلام، وتعلم كثير منهم العربية، حتى كان منهم في الجيل الثاني من يتكلم العربية كأحد أبنائها؛ ولكنهم برغم هذا كله لم يصبحوا في جملتهم كالعرب في عقيدتهم، ولا كالعرب في مطامعهم وطموحهم ونزعاتهم، ولا كالعرب في عقليتهم، بل اعتنقوا الإسلام فصبغوه بصبغة الفارسية، ولم يتجردوا من كل عقائد الدين القديم وتقاليده، ففهموا الإسلام بالقدر الذي يسمح به دين قديم اعتنقه قومه أجيالا، ونشأ فيه ناشئهم وشب عليه؛ كذلك تعلم الكثير منهم العربية، ولكن لم يترك خياله الفارسي، ولم ينس ما كان لقومه من شعر ومثل وحكمة، كان من أثر ذلك طبيعيا أن تدخل تعاليم في الإسلام جديدة، ونزعات دينية جديدة، ظهر أثرها فيما بعد، وأظهرها في الإسلام التشيع والتصوف، وكان من أثر ذلك أيضا أن يغمر الأدب العربي بالحكم الفارسية، والقصص الفارسية، والخيال الفارسي.

إذا كان للفرس دين ذو أثر، وأدب ذو أثر؛ فلندرس باختصار دينهم وأدبهم، لنستطيع بعد أن نفهم أثر ذلك؛ ولسنا ندرس دينهم منذ نشأتهم، ولا نعرض لأصل أدبهم وتدرجه في الرقي، فذلك ما لا يهمنا كثيرا، وإنما نتعرض لدينهم وطرف من أدبهم في الدولة الساسانية التي حكمت الفرس قبل الإسلام، واستمرت في الحكم من سنة 226م إلى سنة 651م حين تسلمها العرب من أيديهم وحكموها بولاتهم، فهذه الدولة الساسانية هي التي كان لها الأثر المباشر في المسلمين من الناحية الدينية والأدبية جميعا.

فجر الإسلام · الصفحة ٤٧

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

فجر الإسلامص ٤٧