تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

وإذا كانت هذه الأمم المفتوحة أرقى من العرب مدنية وحضارة وأقوى نظما اجتماعية كان من الطبيعي أن تسود مدنيتهم وحضارتهم ونظمهم؛ وإذا كان العرب هم العنصر القوي الفاتح عدلوا هذه النظم بما يتفق وعقليتهم، فسادت في البلاد المفتوحة النظم التي كانت متبعة من قبل الفتح، كنظام الدواوين ونحوه، وأقر على ما كان عليه، حتى لغة الدواوين نفسها ظلت باللغة الأصلية إلى عهد عبد الملك بن مروان، وليس موضوعنا هنا هذه النظم الاجتماعية والسياسية، وإنما موضوعنا «الحياة العقلية» وكان شأنها شأن النظم، فهذا الامتزاج كان لقاحا بين العقل العربي والعقل الأجنبي، أنتج بعد قليل من الزمان.

دخل كثير من هؤلاء المغلوبين في الإسلام، ولهم حكمة وأمثال وشعر وأدب، وبعضهم لهم علوم مدونة وكتب مطولة، قد مرنوا على تدوين العلوم والبحث العلمي، فلما استقروا في الإسلام واطمأنوا إليه أخذوا هم وأبناؤهم يطبقون منهاجهم العلمي الذي ألفوه وألفه آباؤهم كما سنوضحه بعد.

حتى العقيدة الإسلامية لم تخل من تأثر بهذا الامتزاج، أتظن أن الفارسي أو السوري النصراني أو الروماني أو القبطي إذا دخل في الإسلام امحت منه كل العقائد التي ورثها من آبائه وأجداده قرونا، وفهم الإسلام كما يريد الإسلام من تعاليمه؟ كلا! لا يمكن أن يكون ذلك، وعلم النفس يأباه كل الإباء، فللفارسي صورة للإله غير صورة النصراني الروماني، وهما غير صورة النصراني المصري، وللألفاظ المستعملة في الديانات كجهنم والجنة وإبليس والملائكة والآخرة والنبي ونحو ذلك من معان عند كل من هؤلاء تخالف المعاني التي يتصورها الآخر، فلا تظن أن هؤلاء الذين دخلوا في الإسلام من الأمم الأخرى فهموه بحذافيره كما فهمه العرب، حتى المخلصون منهم في اعتناقهم الإسلام، إنما فهمه كل قوم مشوبا بكثير من تقاليدهم الدينية القديمة، وفهموا ألفاظه قريبة من الألفاظ التي كانت تستعمل في ديانتهم؛ والشواهد على ذلك كثيرة، كالذي رواه الأزدي في كتابه فتوح الشام من أن رجلا من مسلمي الشام تصالح مع آخر على أن يرعى له غنمه في نظير أن يهبه زوجته تبيت عنده، وقد دعاهما عمر بن الخطاب فأقرا بأن ليس عندهما علم بحرمة ذلك؛ وكالذي ذكره ابن عبد ربه في العقد الفريد من تشدد الموالي في الدين تشددا لا يعرفه عرب البادية

13 ، وقد ظهر تأثير هؤلاء القوم في أواخر القرن الأول للهجرة بظهور المذاهب المختلفة كما سنبين ذلك إن شاء الله، ولعل هذا المعنى هو الذي أخاف عمر بن الخطاب عند الفتح، فقد روى أبو حنيفة الدينوري في كتابه «الأخبار الطوال»: «أن المسلمين أصابوا يوم جلولاء غنيمة لم يغنموا مثلها قط، وسبوا سبيا كثيرا من بنات أحرار فارس، فذكروا أن عمر بن الخطاب رضي الله عنه كان يقول: اللهم إني أعوذ بك من أولاد سبايا الجلوليات! فأدرك أبناؤهن قتال صفين»، نعم إنه استعاذ بالله وحق له أن يستعيذ منهم، ومن كل الموالي ونسلهم، فقد كانت لهم عصبية سياسية غير العصبية العربية وضدها، ولها تقاليد دينية لا بد أن ينزعوا إليها ويخالفوا بهذه النزعة الإسلامية العربية في بساطتها.

الحق أن الامتزاج كان قويا شديدا، وأن الموالي وأشباههم كان لهم أثر في كل مرافق الحياة، وأنه كانت هناك حروب في المسائل الاجتماعية، كالحروب البدنية بين الجنود، ولكن لم يعن المؤرخون بتفصيلها وهي أولى بالعناية، فقد كانت حرب بين الإسلام والديانات الأخرى، وكانت حرب بين اللغة العربية واللغات الأخرى، وكانت حرب بين الآمال العربية وآمال الأمم الأخرى، وكانت حرب بين النظم الاجتماعية العربية البسيطة، وبين النظم الاجتماعية الفارسية والرومية، ولئن كانت الحروب البدنية قد انتهت تقريبا بفتوح أبي بكر وعمر وعثمان، فإن الحروب الأخرى ظلت قائمة بعد ذلك طويلا وأصبحت المملكة الإسلامية مجالا فسيحا لهذه الحروب تتنازع فيها الآمال، ففرس يحنون إلى مملكتهم القديمة، ويعتقدون أنهم أرقى من العرب؛ وروم كذلك؛ والمغرب ومصر يودون الاستقلال، كما أن النظم السياسية فيها متضاربة: فرس لهم نظام خاص، وروم لهم نظام مغاير، وقانون روماني كان يسود المستعمرات الرومانية، وقانون فارسي كان يسود المملكة الفارسية، وإسلام يستمد منه قانون يوافقهما أحيانا ويخالفهما أحيانا، وفرس مجوس ظلوا مجوسا، وفرس أسلموا، وروم نصارى، وروم أسلموا، ومصريون نصارى، ومصريون أسلموا، ويهود في هذه البلاد ظلوا يهودا، ويهود أسلموا، ولغة عربية وفارسية وقبطية ويونانية وعبرية؛ كل هذه النزعات واللهجات كانت في حروب مستمرة، وكانت المملكة الإسلامية كلها هي موطن القتال، ولم يصلنا مع الأسف من وقائعها إلا النزر اليسير، فلم تعد الأمة الإسلامية أمة عربية، لغتها واحدة ودينها واحد وخيالها واحد، كما كان الشأن في عهد الرسول

فجر الإسلام · الصفحة ٤٦

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

فجر الإسلامص ٤٦