تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

دين الفرس: اشتهر الفرس - والجنس الآري عامة - بأنهم ميالون إلى عبادة المظاهر الطبيعية؛ فالسماء الصافية، والضوء، والنار، والهواء، والماء ينزل من السماء؛ جذبت أنظارهم وجعلتهم يعبدونها على أنها كائنات إلهية، حتى سموا الشمس «عين الله» والضوء «ابن الله»، كما أن الظلمة والجدب ونحوهما كائنات إلهية شريرة ملعونة.

ومن أول أمرهم وقفوا الإنسان أمام آلهة الخير يستمد منهم المعونة، ويصلي لهم ويسبح بحمدهم، ويقدم الضحايا إليهم.

ورأوا أن آلهة الخير في نزاع دائم مع آلهة الشر، وأعمال الإنسان من صلاة ونحوها تعين آلهة الخير في منازلتها آلهة الشر؛ واتخذوا النار رمزا للضوء، وبعبارة أخرى رمزا لآلهة الخير يشعلونها في معابدهم، وينفخونها بإمدادهم، حتى تقوى على آلهة الشر وتنتصر عليها، وقد كانت هذه النار منبعا عندهم لخيال شعري خصب. (أ)

زردشت (Zoroaster) : ثم جاء بعد زردشت - نبي الفرس - فدعا إلى تعاليم جديدة أسست على الديانة القديمة بعد إصلاحها.

وقد كان وجود زردشت نفسه موضع شك عند كثيرين، وموضع جدل طويل بين النافين والمثبتين، واختلف المثبتون في تاريخ وجوده على أقوال تتردد بين سنة 6000 قبل الميلاد و600 ق م، وقد ألف الأستاذ «جاكسن

Jackson » كتابا قيما في حياته

1

كان له أثر كبير في ترجيح كفة المثبتين لوجوده، وقد وصل في بحثه إلى أن زردشت شخص تاريخي لا خرافي، وأنه كان من قبيلة ميديا (في الجزء الغربي الشمالي من فارس)، وأنه ظهر أمره نحو منتصف القرن السابع قبل الميلاد، ومات نحو سنة 583ق.م بعد أن عمر 77 سنة وأن موطنه كان أذربيجان، ولكن أول نجاح ناله كان في بلخ، وعلى أثر دخول الملك «بشتاسب»

2

في دينه، وأن دينه انتشر من بلخ إلى فارس كلها.

ومع هذا فلا تزال بعض هذه النتائج التي وصل إليها جاكسن مجالا للبحث، ويروي أهل دينه كثيرا عما صحب ولادته من المعجزات وخوارق العادات والإشارات، وأنه انقطع منذ صباه إلى التفكير، ومال إلى العزلة، وأنه في أثناء ذلك رأى سبع رؤى، ثم أعلن رسالته فكان يقول: إنه رسول الله بعثه ليزيل ما علق بالدين من الضلال، وليهدي إلى الحق، وقد ظل يدعو الناس سنين طوالا فلم يستجب لدعوته إلا القليل، فأوحي إليه أن يهاجر إلى بلخ، فنشر دعوته في بلاط الملك، فاستجاب له أولا أبناء الوزير ثم الملكة نفسها، وقاومه رجال البلاط وجادلوه، ولكنه انتصر عليهم بدخول الملك نفسه وهو بشتاسب في دينه، وقد تحمس الملك لهذا الدين الجديد، فتتابع للدخول فيه أفواجا.

تعاليمه: نلاحظ فيما ذكرنا أن الفرس قبل زردشت بنوا دينهم على أساسين: (1)

أن لهذا العالم قانونا يسير عليه، وأن له ظواهر طبيعية ثابتة. (2)

وأن هناك نزاعا وتصادما بين القوى المختلفة، بين النور والظلمة، والخصب والجدب ... إلخ، فجاءت تعاليم زردشت مبنية على هذين الأساسين أيضا، إلا أن من قبله كانوا يعبدون الأرواح الخيرة وهي كثيرة، فوحدها زردشت في إله واحد هو «أهرامزدا»، وكذلك فعل في قوى الشر، فحصرها في شيء واحد سمي «دروج أهرمن»، وبذلك كانت عنده قوتان فقط: قوة الخير وقوة الشر.

ولزردشت كتاب مقدس يسمى «أفستا

Avesta » وعليه شرح يسمى «زندافست»؛ قال المسعودي: «واسم هذا الكتاب «ألايستا»، وإذا عرب أثبتت فيه قاف فقيل «الايستاق»

3

وعدد سوره إحدى وعشرون سورة تقع كل سورة في مئتي ورقة ... وأنه كتب باللغة الفارسية الأولى وأن أحدا اليوم لا يعرف معنى تلك اللغة، وإنما نقل لهم إلى هذه الفارسية شيء من السور في أيديهم يقرءونها في صلواتهم، في بعضها الخبر عن مبتدأ العالم ومنتهاه، وفي بعضها مواعظ» ا.ه مختصرا.

وأصل الأفستا ومؤلفو سوره لا يزال موضع جدال بين الباحثين، كما هو الشأن في زردشت نفسه، ويقول «البرسيون»: «إن الأفستا كان في عهد الدولة الساسانية مؤلفا من إحدى وعشرين سورة لم يبق منها في عهدنا إلا سورة كاملة وبعض آيات من سور مختلفة»، وهذا الذي وصل إلينا لا يحتوي إلا على مقطعات في الشعائر الدينية، وفي قوانين للمعابد الزردشتية.

فجر الإسلام · الصفحة ٤٨

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

فجر الإسلامص ٤٨