تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

دخول البلاد المفتوحة في الإسلام:

هذا هو العامل الثاني من عوامل المزج، فقد دخل في الإسلام كثير من أهل البلاد المفتوحة، وامتزجوا بالعرب كأنهم منهم، جاء في فتوح البلدان للبلاذري: «أن أبرويز كان وجه إلى الديلم فأتي بأربعة آلاف وكانوا خدمه وخاصته، ثم كانوا على تلك المنزلة بعده، وشهدوا القادسية مع رستم، فلما قتل وانهزم المجوس اعتزلوا، وقالوا: ما نحن كهؤلاء، ولا لنا ملجأ، وأثرنا عندهم غير جميل! والرأي لنا أن ندخل معهم في دينهم، فنعز بهم، فاعتزلوا، فقال سعد: ما لهؤلاء؟ فأتاهم المغيرة بن شعبة فسألهم عن أمرهم، فأخبروه بخبرهم، وقالوا: ندخل في دينكم؛ فرجع إلى سعد فأخبروه فأمنهم، فأسلموا وشهدوا فتح المدائن مع سعد، وشهدوا فتح جلولاء، ثم تحولوا فنزلوا الكوفة مع المسلمين»

11

إلى كثير من أمثال ذلك، وقد كان الباعث للناس على الدخول في الإسلام مختلفا؛ فمنهم من دخل فيه مؤمنا بحسن مبادئه وصدقها، وساعد على ذلك بساطة العقيدة الإسلامية وسهولة فهمها، ومنهم من دخل فيه فرارا من الجزية، لما علمت أن من رضي أن يبقى على دينه تضرب عليه الجزية، فإذا أسلم رفعت عنه، حتى لقد هال بعض الأمراء دخول الناس في الإسلام فرارا من الجزية، وكتب عمال الحجاج إليه: «إن الخراج قد انكسر، وإن أهل الذمة قد أسلموا ولحقوا بالأمصار» فأخذ الحجاج منهم الجزية مع إسلامهم، وجعل قراء البصرة يبكون لما يرون

12 ، ومنهم من كان يسلم فرارا مما يشعر به من المهانة، فالإسلام هو دين الحكام والولاة ورجال الدولة، وهو الدين الذي يعتز به من انتسب إليه، وغيره من الأديان كان مكروها ممقوتا في الدولة، وإن أبيح لمعتنقيه أن يأتوا بشعائره، أضف إلى ذلك أن بعض الولاة لم يكن يراعي تعاليم الدين وتسامحه في الذميين، فكان يسومهم سوء العذاب، فاضطروا أن يفروا من دينهم إلى الإسلام.

الاختلاط في السكنى:

هذا هو العامل الثالث في الامتزاج، بعد الفتح صارت البلاد مسكونة بالفاتحين والمفتوحين جميعا، واشتركوا في الحركة الاجتماعية والاقتصادية؛ يقول (ولهوسن

Wellhausen ): «إن أكثر من نصف سكان الكوفة كانوا من الموالي، وكان هؤلاء الموالي يحتكرون الحرف والصناعة والتجارة، وكان أكثرهم فرسا في جنسهم وفي لغتهم، جاءوا الكوفة أسرى حرب ثم دخلوا في الإسلام ثم أعتقهم مالكوهم العرب، فكانوا موالي لهم، وبذلك صاروا أحرارا، ولكنهم ظلوا في حاجة إلى حماية سادتهم، فهم حاشية العرب وأتباعهم في السلم والحرب»، وكذلك سائر البلاد أصبح فيها العنصر العربي والعنصر الأجنبي ممتزجين تمام الامتزاج، في فارس والشام ومصر والمغرب، حتى جزيرة العرب نفسها لم تعد جزيرة العرب، بل صارت جزيرة المسلمين جميعا؛ فقد كانت «المدينة» مقر الخلافة في عهد الفتوح الكبرى - عهد عمر - فكان يقصدها الرسل وذوو الحاجات من الأمم الأخرى، ويأتي إليها الأسرى؛ لأن تعاليم عمر كانت تقضي ألا توزع الغنائم والسبي في البلاد المفتوحة، إنما يأتى بها إلى مقر الخلافة ثم توزع، فامتلأت المدينة وما حولها بالعناصر غير العربية؛ وكانت مكيدة قتل عمر مدبرة من بعض سكانها من الفرس، ومنفذها أبو لؤلؤة الفارسي، أضف إلى هذا أن مكة والمدينة كانتا مقصد الحجاج والزائرين من الداخلين في الإسلام من بقاع الأرض، وهكذا جعل جزيرة العرب شائعة بين المسلمين، تختلط فيها العناصر المختلفة، وشأنها في ذلك شأن الممالك الأخرى المفتوحة، ليس من فارق إلا أن العنصر العربي في جزيرة العرب أكثر، والعنصر الأجنبي في الممالك المفتوحة أعظم.

كل هذه العوامل التي ذكرناها كان لها أثرها في الامتزاج، فالعادات الفارسية والرومانية امتزجت بالعادات العربية، وقانون الفرس والقانون الروماني امتزجا بالأحكام التي أوضحها القرآن والسنة، وحكم الفرس وفلسفة الروم امتزجت بحكم العرب، ونمط الحكم الفارسي ونمط الحكم الروماني امتزجا بنمط الحكم العربي؛ وبالإجمال كل مرافق الحياة والنظم السياسية والاجتماعية والطبائع العقلية تأثرت تأثرا كبيرا بهذا الامتزاج.

فجر الإسلام · الصفحة ٤٥

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

فجر الإسلامص ٤٥