تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

ومع كل هذه التعاليم لم تمت نزعة العصبية، وكانت تظهر بقوة إذا بدا ما يهيجها، انظر إلى ما روي في غزوة بني المصطلق أن رسول الله

صلى الله عليه وسلم

خرج في جماعة من المهاجرين والأنصار، فكسع

11

رجل من المهاجرين رجلا من الأنصار، فكان بينهما قتال، إلى أن صرخ: يا معشر الأنصار، وصرخ المهاجر: يا معشر المهاجرين؛ فبلغ ذلك النبي

صلى الله عليه وسلم ، فقال: «ما لكم ولدعوة الجاهلية؟»، فقالوا: كسع رجل من المهاجرين رجلا من الأنصار، فقال رسول الله

صلى الله عليه وسلم : «دعوها فإنها منتنة». فقال عبد الله بن أبي بن سلول:

لئن رجعنا إلى المدينة ليخرجن الأعز منها الأذل

12 .

أفلست ترى أن نزاعا تافها لسبب تافه، هيج النفوس ودعاهم إلى النزعة الجاهلية، وتذكر العصبية المكية والمدنية؟!

ولما ولي الأمويون الخلافة عادت العصبية إلى حالها كما كانت في الجاهلية، وكان بينهم وبين بني هاشم في الإسلام كالذي كان بينهم في الجاهلية؛ فخر الأمويون بالدهاء والحلم وكثرة الخطباء والشعراء، ورد عليهم بنو هاشم يكاثرونهم في ذلك، وكان جدالهم ومفاخرتهم صورة صادقة للمنافرة في الجاهلية

13

وعاد النزاع في الإسلام بين القحطانية والعدنانية، فكان في كل قطر عداء وحروب بين النوعين، واتخذوا في كل صقع أسامي مختلفة؛ ففي خراسان كانت الحرب بين الأزد وتميم، والأولون يمنيون والآخرون عدنانيون، وفي الشام كانت الحرب بين كلب وقيس، والأولون يمنيون والآخرون عدنانيون، ومثل ذلك في الأندلس، ومثل ذلك في العراق؛ حكى ابن أبي الحديد «أن أهل الكوفة في آخر عهد علي كانوا قبائل، فكان الرجل يخرج من منازل قبيلته فيمر بمنازل قبيلة أخرى، فينادي باسم قبيلته: يا للنخع، أو يا لكندة، فيتألب عليه فتيان القبيلة التي مر بها فينادون: يا لتميم ويا لربيعة، ويقبلون إلى ذلك الصائح فيضربونه، فيفضي إلى قبيلته فيستصرخها، فتسل السيوف وتثور الفتنة»

14

وحكى الأغاني قال: «كان طويس ولعا بالشعر الذي قالته الأوس والخزرج في حروبهم، وكان يريد بذلك الإغراء، فقل مجلس اجتمع فيه هذان الحيان فغنى فيه طويس إلا وقع فيه شيء ... فكان يبدي السرائر، ويخرج الضغائن»

15

ويطول بنا القول لو أنا شرحنا ما كان من حروب بين القبائل يرجع أصلها إلى العصبية الجاهلية.

وأنت إذا نظرت للشعراء في بني أمية، وجدت فيهم هذا المعنى واضحا جليا، فالشعراء انحازوا إلى قبائل، ثم أخذوا يشيدون بذكر قبائلهم، ويهجون غيرهم شأن شعراء الجاهلية، ولعل أصدق مثل لذلك ما ترى في هجاء جرير والفرزدق والأخطل.

ليست ناحية العصبية هي وحدها ما يظهر لنا في عهد الإسلام من نزعات جاهلية، نزعات أخرى لا تقل عنها وضوحا.

من ذلك: حروب الردة، وذلك أن كثيرا من قبائل العرب عدوا دفع الزكاة للخليفة ضريبة عليهم ومذلة لهم، ونظروا إليها نظرهم إلى قبيلة تتسلط على أخرى، وتضرب عليها الإتاوة؛ فانتهزوا موت رسول الله

صلى الله عليه وسلم ، وعبروا عن شعورهم الجاهلي برفض دفعها لأبي بكر؛ وفي هذا يقول قرة بن هبيرة لعمرو بن العاص: «يا هذا، إن العرب لا تطيب لكم نفسا بالإتاوة؛ فإن أعفيتموها من أخذ أموالها فتسمع لكم وتطيع، وإن أبيتم فلا تجتمع عليكم»، وقد عجزوا عن أن ينظروا إلى الزكاة كجزء من المال يؤخذ للصرف في الصالح العام، وهو ما يرمي إليه الإسلام.

أضف إلى ذلك، أن بعض المسلمين - وخاصة من سكان البادية - كانوا ينزعون في معيشتهم الاجتماعية النزعة الجاهلية من مهاجاة وحمية وشراب ونحو ذلك، روي أن عمر بن الخطاب حبس الحطيئة؛ لأنه كان يقول الهجر ويمدح الناس، ويذمهم بما ليس فيهم، ثم أطلقه، فلما ولى ناداه فرجع، فقال عمر: كأني بك يا حطيئة عند فتى من قريش، قد بسط لك نمرقة

16

وكسر لك أخرى، ثم قال: غننا يا حطيئة فطفقت تغنيه بأعراض الناس! قال زيد بن أسلم: ثم رأيت الحطيئة يوما بعد ذلك عند عبيد الله بن عمر، قد بسط نمرقة وكسر له أخرى، ثم قال: تغنينا يا حطيئة وهو يغنيه، فقلت: يا حطيئة، أما تذكر قول عمر؟! ففزع وقال: رحم الله ذلك المرء، أما لو كان حيا ما فعلنا هذا!

فجر الإسلام · الصفحة ٣٩

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

فجر الإسلامص ٣٩