تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

1 .

وهذه القصة وإن كان يغلب على الظن أنها موضوعة، بدليل أن الصيام ورد فيها، وهو لم يشرع إلا بعد الهجرة إلى الحبشة، وبغير ذلك من الأدلة، فهي تمثل النزاع بين العقليتين أصدق تمثيل.

وقد عقد الأستاذ «جولد زيهر» فصلا في نقط النزاع بين الإسلام والفضائل عند العرب في الجاهلية عنونه «بالدين والمروءة»، وهو يتلخص في «أن الإسلام رسم للحياة مثلا أعلى غير المثل الأعلى للحياة في الجاهلية؛ وهذان المثلان لا يتشابهان وكثيرا ما يتناقضان، فالشجاعة الشخصية، والشهامة التي لا حد لها، والكرم إلى حد الإسراف، والإخلاص التام للقبيلة، والقسوة في الانتقام، والأخذ بالثأر ممن اعتدى عليه أو على قريب له أو على قبيلته بقول أو فعل، هذه هي أصول الفضائل عند العرب الوثنيين في الجاهلية؛ أما في الإسلام فالخضوع لله والانقياد لأمره، والصبر، وإخضاع منافع الشخص ومنافع قبيلته لأوامر الدين، والقناعة وعدم التفاخر والتكاثر، وتجنب الكبر والعظمة هي المثل الأعلى للإنسان في الحياة».

إن شئت أن تقارن بين ما رسمه الإسلام من مثل أعلى في الحياة، وما رسمته الجاهلية من ذلك فاقرأ قوله تعالى:

ليس البر أن تولوا وجوهكم قبل المشرق والمغرب ولكن البر من آمن بالله واليوم الآخر والملائكة والكتاب والنبيين وآتى المال على حبه ذوي القربى واليتامى والمساكين وابن السبيل والسائلين وفي الرقاب وأقام الصلاة وآتى الزكاة والموفون بعهدهم إذا عاهدوا والصابرين في البأساء والضراء وحين البأس أولئك الذين صدقوا وأولئك هم المتقون .

ثم اقرأ ما جاء في معلقة طرفة:

إذا القوم قالوا من فتى؟ خلت أنني

عنيت فلم أكسل ولم أتبلد

أحلت عليها بالقطيع فأجذمت

وقد خب آل الأمعز المتوقد

2

فذالت كما ذالت وليدة معشر

ترى ربها أذيال سحل ممدد

3

ولست بحلال التلاع مخافة

ولكن متى يسترفد القوم أرفد

4

وإن تبغني في حلقة القوم تلقني

وإن تقتنصني في الحوانيت تصطد

5

متى تأتني أصبحك كأسا روية

وإن كنت عنها ذا غنى فاغن وازدد

وإن يلتق القوم الجميع تلاقني

إلى ذروة البيت الرفيع المصمد

نداماي بيض كالنجوم وقينة

تروح علينا بين برد ومجسد

6

إلى أن يقول:

فلولا ثلاث هن من عيشة الفتى

وجدك لم أحفل متى قام عودي

فمنهن سبقى العاذلات بشربة

كميت متى ما تعل بالماء تزبد

وتقصير يوم الدجن والدجن معجب

ببهكنة تحت الخباء المعمد

7

كأن البرين والدماليج علقت

على عشر أو خروع لم يخضد

8

وكزى إذا نادى المضاف محنبا

كسيد الغضا ذي السورة المتورد

9

وهكذا المثل الأعلى للحياة الجاهلية؛ فخر بالنجدة، وفخر بالكرم، وفخر بمجالسة علية القوم، وفي حانات الخمر، وتمتع بالشراب حوله الندامى والقيان ؛ وهذا كل شيء في الحياة.

وبعد؛ فإلى أي حد تأثر العرب بالإسلام؟ وهل امحت تعاليم الجاهلية ونزعات الجاهلية بمجرد دخولهم في الإسلام؟ الحق أن ليس كذلك، وتاريخ الأديان والآراء يأبى ذلك كل الإباء فالنزاع بين القديم والجديد، وقل أن يتلاشى بتاتا؛ وهذا ما كان بين الجاهلية والإسلام، فقد كانت النزعات الجاهلية تظهر من حين إلى حين وتحارب نزعات الإسلام، وظل الشأن كذلك أمدا بعيدا، ولنقص طرفا من مظاهر هذا النزاع:

جاء الإسلام يدعو إلى محو التعصب للقبيلة، والتعصب للجنس، ويدعو إلى أن الناس جميعا سواء:

إن أكرمكم عند الله أتقاكم ، وفي الحديث: «المؤمنون إخوة، تتكافأ دماؤكم، ويسعى بذمتهم أدناهم، وهم أعلى يدا على من سواهم»، وخطب النبي

صلى الله عليه وسلم

في خطبة الوداع: «أيها الناس! إن الله تعالى أذهب عنكم نخوة الجاهلية وفخرها بالآباء؛ كلكم لآدم وآدم من تراب، ليس لعربي على عجمي فضل إلا بالتقوى»، وروى مسلم أن النبي

صلى الله عليه وسلم

قال: «من قاتل تحت راية عمية

10

يغضب لعصبية أو يدعو إلى عصبية أو ينصر عصبية فقتل قتل قتلة جاهلية»، وآخى رسول الله بين المهاجرين والأنصار بعد ما كان بين المكيين والمدنيين من عداء.

فجر الإسلام · الصفحة ٣٨

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

فجر الإسلامص ٣٨