بل كثير من شبان بني أمية، وبعض شبان بني هاشم كانوا يعيشون عيشة هي إلى الجاهلية أقرب منها إلى الإسلام، شراب وصيد وغزل، كيزيد بن معاوية وصحبه، فقد حكى المسعودي «أنه كان صاحب طرب وجوارح وكلاب (للصيد) ومنادمة على الشراب، وفي أيامه ظهر الغناء بمكة والمدينة، واستعملت الملاهي، وأظهر الناس شرب الشراب، وغلب على أصحاب يزيد وعماله ما كان يفعله».
إن شئت فاقرأ سيرة الوليد بن عقبة الأموي، وهو أخو عثمان بن عفان لأمه، وكان من فتيان قريش وشعرائهم وشجعانهم وأجوادهم، وولي الكوفة لعثمان، ترى حياة لم يؤثر فيها الإسلام كثيرا، يتهتك في الشراب، ويتخذ بيته ملجأ للمراق من أهل العراق، إلى غير ذلك من كرم جاهلي، وعصبية جاهلية
17 ، وروى الأغاني «أن الحارث بن خالد المخرومي ولاه عبد الله بن مروان مكة، وكان الحارث يهوى عائشة بنت طلحة، فأرسلت إليه: أخر الصلاة حتى أفرغ من طوافي؛ فأمر المؤذنين فأخروا الصلاة حتى فرغت من طوافها، وأنكر أهل الموسم ذلك من فعله وأعظموه، فعزله»
18 .
بجانب هذا ترى قوما صبغهم الإسلام صبغة جديدة، حتى انقطعت الصلة بينهم جاهليين وبينهم مسلمين، كالذي ترى في سيرة أبي بكر وعمر وكثير من الصحابة: ورع وزهد وتواضع والتزام شديد لأوامر الدين، وحياة تستطيع أن ترى فيها مأخذا جاهليا ينافي الإسلام، وتجد في خطبهم وكتبهم وأقوالهم أثر الإسلام بينا، حتى كأنهم خلقوا في الإسلام خلقا جديدا.
الحق أن النزاع بين النفسية الإسلامية والنزعات الإسلامية، والنفسية الجاهلية والنزعات الجاهلية كان شديدا، وكان عهده طويلا، وأن الإسلام لم يصبغ العرب صبغة واحدة على السواء، بل إن خير من تأثر به هم السابقون الأولون من المهاجرين والأنصار، أولئك وصل الدين إلى أعماق نفوسهم، وأخلصوا له وأنفذوا أوامره؛ فأما من أسلموا يوم الفتح أو بعده وظلوا على كفرهم وعنادهم حتى رأوا النبي
صلى الله عليه وسلم
وأصحابه ينتصرون، فلم يسعهم إلا الإسلام، فهؤلاء كان دين كثير منهم رقيقا،
لا يستوي منكم من أنفق من قبل الفتح وقاتل أولئك أعظم درجة من الذين أنفقوا من بعد وقاتلوا وكلا وعد الله الحسنى ، وبحق قسم المؤرخون الصحابة إلى طبقات حسب مراتبهم، أوصلها بعضهم إلى اثنتي عشرة طبقة آخرهم من أسلم يوم الفتح
19 .
كذلك كان سكان المدن والقرى، بل من دخل في الإسلام بعد من الأمم الأخرى أكثر تدينا، وأعرف بأحكام الإسلام من كثير من سكان البادية، جلس أعرابي إلى زيد بن صوحان، وهو يحدث أصحابه - وكانت يده قد أصيبت يوم نهاوند - فقال: والله إن حديثك ليعجبني، وإن يدك لتريبني (يريد أنه يخشى أن تكون قد قطعت في سرقة)، فقال زيد: وما يريبك من يدي؟ إنها الشمال، فقال الأعرابي: والله ما أدري أليمين يقطعون أم الشمال؟ فقال زيد بن صوحان صدق الله:
الأعراب أشد كفرا ونفاقا وأجدر ألا يعلموا حدود ما أنزل الله على رسوله ، ويقول الطبري في هذه الآية : «الأعراب، وهم من نزلوا البادية، أشد جحودا لتوحيد الله، وأشد نفاقا من أهل الحضر في القرى والأمصار، وإنما وصفهم جل ثناؤه بذلك لجفائهم، وقسوة قلوبهم، وقلة مشاهدتهم لأهل الخير، فهم لذلك أقسى قلوبا، وأقل علما بحدود الله».
فكثير من هؤلاء الأعراب كانت معرفتهم بالإسلام سطحية، كانوا يعكفون على الشراب، ويتبعون تقاليد قبائلهم الجاهلية، ويعقدون ألويتهم ويحاربون القبائل المعادية لهم في الإسلام كما كانوا يفعلون قبله؛ فأما الإسلام الحق والعقلية المسلمة فكانت أظهر في المدن، وخاصة فيمن أسلموا قبل الفتح، وكانت كذلك فيمن أخلص للدين من أهل المدن التي فتحها المسلمون.
إذا كان في العصور الأولى للإسلام نزعات جاهلية، ونزعات إسلامية، كانتا تسيران جنبا إلى جنب، والذي يظهر لنا أن النزعة الجاهلية أثرت في الأدب الأموي - وخاصة الشعر - أكبر أثر، فالمعاني الجاهلية، والهجاء الجاهلي، والفخر الجاهلي، والحمية الجاهلية، كلها واضحة أجل وضوح في الشعر الأموي، فأما النزعة الإسلامية فظهرت في العلوم الشرعية، فقد أقبل المسلمون على القرآن يتدارسونه، والحديث يجمعونه، ويستمدون منهما الأحكام، ويستخرجون المواعظ، وهذا هو موضوعنا، وهو ما سنبينه بعد، وسنذكر عند الكلام على الحركة العلمية أثر الإسلام في العلم.