تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

صلى الله عليه وسلم

مجلسا فذكر بالله وحذر قومه ما أصاب من قبلهم من الأمم من نقمة الله، خلفه في مجلسه إذا قام، ثم قال: أنا والله يا معشر قريش أحسن حديثا منه، فهلم إلي، فأنا أحدثكم أحسن من حديثه! ثم يحدثهم عن ملوك فارس ورستم واسفنديار، ثم يقول: بماذا محمد أحسن حديثا مني؟ قال ابن هشام: وهو الذي قال فيما بلغني: «سأنزل مثل ما أنزل الله»

8 . •••

ولعله بعد الذي ذكرنا؛ من علاقات العرب بمن حولهم من الفرس والروم تجاريا! وسياسيا ودينيا، وما ذكرناه عن لقمان من أنه حبشي أو يهودي أو مصري، ومن إجماعهم على أنه ليس بعربي، وما كان من شبه بين أمثال سليمان والأمثال العربية، وما أشرنا إليه من وجوه الشبه بين بعض قصصهم وقصص الأمم الأخرى، وما كانوا يتحدثون به من أقاصيص الفرس؛ يتضح لك أن العرب لم يكونوا - كما يفهم كثير من الناس - مستقلين عن غيرهم من الأمم استقلالا تاما، لا في وسائلهم الاقتصادية، ولا السياسية ولا الأدبية؛ فلما جاء الإسلام كان الاتصال أتم، وأثر الامتزاج أكبر، كما سيتضح إن شاء الله.

| مصادر هذا الباب

ذكرنا في ثنايا هذا البحث كثيرا من الكتب التي رجعنا إليها، ونزيد عليها أننا استفدنا أيضا كثيرا من الكتب الآتية: (1)

دائرة المعارف الإسلامية في مادة «عرب» و«خمير» و«كهلان» وغير ذلك من مواد أخرى متفرقة. (2)

كتاب «العرب قبل الإسلام»

Arabia before Mohammad

تأليف

O’leary . (3)

دائرة المعارف البريطانية في مادة اللغة السامية. (4)

سبائك الذهب في معرفة قبائل العرب. (5)

أمثال الميداني، وأمثال أبي هلال العسكري، وأمثال المفضل الضبي.

الجزء

الثاني

| الإسلام

الفصل السادس

| بين الجاهلية والإسلام

كان للإسلام أثران كبيران في عقلية العرب من ناحيتين مختلفتين: (الأولى):

ناحية مباشرة، وهي تعاليمه التي أتى بها مخالفا عقائد العرب. (الثانية):

ناحية غير مباشرة، وهي أن الإسلام مكن العرب من فتح فارس ومستعمرات الروم، وهما أمتان عظيمتان تحملان أرقى مدنية في ذلك العهد، فكان من أثر الفتح وضع البلاد وما فيها من نظم وعلم وفلسفة تحت أعين العرب، فتسربت مدنيتهما إلى المسلمين، وتأثرت بهما عقليتهم، وسنتكلم كلمة عن كلتا الناحيتين.

لفظ الإسلام ومعناه: إذا تتبعنا مادة «س ل م» ونشوء كلمة الإسلام رأينا أن معنى السلام المسالمة، وضد المسالمة الحرب والخصام، جاء في القرآن:

وعباد الرحمن الذين يمشون على الأرض هونا وإذا خاطبهم الجاهلون قالوا سلاما ، ولعل هذه الآية هي المفتاح الذي نصل به إلى معرفة السبب في تسمية العهد الذي قبل محمد

صلى الله عليه وسلم

جاهلية، وعهده إسلاما؛ والجاهلية ليست من الجهل الذي هو ضد العلم، ولكن من الجهل الذي هو السفه والغضب والأنفة؛ جاء في حديث الإفك: «ولكن اجتهلته الحمية»، أي حملته الأنفة والغضب على الجهل؛ وفي الحديث أن رسول الله

صلى الله عليه وسلم

قال لأبي ذر وقد عير رجلا بأمه: «إنك امرؤ فيك جاهلية»؛ أي: فيك روح الجاهلية؛ وقريب من هذا المعنى استعمالهم استجهله الشيء؛ أي: استخفه، ومنه قوله: «وقاك الهوى واستجهلتك المنازل»

وفي معلقة عمرو بن كلثوم:

ألا لا يجهلن أحد علينا

فنجهل فوق جهل الجاهلينا

فترى من هذا كله أن كلمة الجاهلية تدل على الخفة والأنفة والحمية والمفاخرة، وهي أمور أوضح ما كانت في حياة العرب قبل الإسلام، فسمي العصر الجاهلية؛ ويقابل هذه المعاني هدوء النفس والتواضع والاعتداد بالعمل الصالح لا بالنسب وهي كلها نزعة سلام، فمعنى الآية كما قال الطبري: «أن عباد الله هم الذين يمشون على الأرض بالحلم، لا يجهلون على من جهل عليهم».

ثم انتقلت الكلمة إلى معنى آخر قريب من هذا، وهو استعمال أسلم المشتق من السلام بمعنى الخضوع والانقياد، لما كان الخضوع أدعى إلى السلام، وفي هذا المعنى جاءت الآية:

فجر الإسلام · الصفحة ٣٤

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

فجر الإسلامص ٣٤