تلك الموازين والرحمن أرسلها
رب البرية بين الناس مقياسا
هذا فضلا عن ضعف الشعر وإسفافه، وإنما سقناهما للدلالة على ما نريد من الألغاز والأحاجي؛ وترى كثيرا منها قد نثر في كتب الأدب كأمالي القالي، والحيوان للجاحظ، والمثل السائر لابن الأثير، وأمثال الميداني ، لو جمع وامتحن لدلنا على ناحية خاصة من نواحي الخيال. (الثاني):
قصص الحيوانات، كالذي زعموا أن النعامة ذهبت تطلب قرنين، فرجعت بلا أذنين، وفي ذلك يقول بشار:
طالبها قلبي فراغت به
وأمسكت قلبي مع الدين
فكنت كالهقل
3
غدا يبتغي
قرنا فلم يرجع بأذنين!
وزعموا أنه لذلك يسمى بالظليم، وكالذي زعموا أن الغراب ذهب يتعلم مشية القطاة فلم يتعلمها، ونسي مشيته، فلذلك صار يحجل؛ وأن الضفدع كان بلا ذنب؛ لأن الضب سلبه إياه.
وكانوا يقولون: إن الهدهد لما ماتت أمه أراد أن يبرها، فجعلها على رأسه يطلب موضعا، فبقيت في رأسه، فالقنزعة التي في رأسه هي قبرها؛ وإنما أنتنت ريحها لذلك
4 ، وزعموا أن الهديل فرخ كان على عهد نوح؛ فصاده جارح، فما من حمامة إلا وهي تبكيه وتدعوه فلا يجيبها؛ قال بعضهم:
وما من تهتفين به لنصر
بأسرع جابة لك من هديل
وقولنا في هذا النوع كقولنا في سابقه. (4) القصص
كان للعرب قصص، وهو باب كبير من أبواب أدبهم، وفيه دلالة كبيرة على عقليتهم، وهذا القصص في الجاهلية أنواع، منها:
أيام العرب:
وهي تدور حول الوقائع الحربية التي وقعت في الجاهلية بين القبائل، كيوم داحس والغبراء، ويوم الفجار، ويوم الكلاب؛ أو بين بعض العرب وأمم أخرى كيوم ذي قار، وكان بين شيبان والفرس، وانتصر فيه العرب، وكانت هذه القصص موضوع العرب في سمرهم في جاهليتهم وفي إسلامهم، «قيل لبعض أصحاب رسول الله
صلى الله عليه وسلم : ما كنتم تتحدثون به إذا خلوتم في مجالسكم؟ قال: كنا نتناشد الشعر، ونتحدث بأخبار جاهليتنا»، وترى هذه الأيام وأخبارها مجموعة في العقد الفريد، وأمثال الميداني؛ وقد زاد القصاص في بعضها وشوهوا بعض حقائقها، كالذي تراه في أخبارهم التي حكوها في موت الزباء، إذا قارنت بين ما قصوه وما ذكره ثقات المؤرخين عن زنوبيا
Zenobia
فخبر الزباء المروي في الكتب العربية عن هشام بن محمد الكلبي، رواية خيالية موضوعة لا تتفق والتاريخ، ولسنا ندري هل أفسدها العرب في جاهليتهم، أو أفسدها رواة الأدب في الإسلام.
أحاديث الهوى :
وهذا كثير في كتب الأدب، كالذي رووا من قصة المنخل اليشكري المتجردة زوج النعمان، وما كان بينهما من علاقة، وما قيل في ذلك من قصص، وما روي من أشعار
5 .
وهناك نوع من قصص العرب، أخذوه من أمم أخرى، وصاغوه في قالب يتفق وذوقهم، كقصة شريك مع المنذر، وأنه أتاه في يوم بؤسه رجل يقال له حنظلة فأراد قتله فطلب منه أن يؤجله سنة، فقال: ومن يكفلك؟ فكفله شريك بن عمرو؛ فلما كان من القابل جلس في مجلسه ينتظر حنظلة فلم يأت، فأمر بشريك فقرب ليقتله، فلم يشعر إلا براكب قد طلع عليه فتأملوه فإذا هو حنظلة، فلما رآه المنذر عجب من وفائهما وكرمهما فأطلقهما؛ وأبطل تلك السنة
6 ... إلخ، فإن لهذه القصة أصلا يونانيا معروفا، وكقصة أنه كان لرجل من بني ضبة في الجاهلية بنون سبعة فخرجوا بأكلب لهم يقتنصون، فأووا إلى غار فهوت عليهم صخرة فأتت عليهم جميعا، فلما استراث أبوهم أخبارهم اقتفى آثارهم حتى انتهى إلى الغار، فانقطع عنه الأثر، فأيقن بالشر، فرجع وأنشد شعرا
7 ، فإن لها شبها بقصة من قصص المسيحية الأولى.
وقد عرفت العرب في الجاهلية قصصا كثيرة عن الفرس؛ وكانوا يروونها ويتسامرون بها، جاء في سيرة ابن هشام أن النضر بن الحارث كان من شياطين قريش، وممن كان يؤذي رسول الله
صلى الله عليه وسلم
وينصب له العداوة، وكان قد قدم الحيرة وتعلم بها أحاديث ملوك الفرس، وأحاديث رستم واسفنديار؛ فكان إذا جلس رسول الله