تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

وعلى كل حال، فالذي نستنتجه من هذا أنهم مجمعون على أنه ليس عربيا، وأنه أدخل على العرب حكمة أمة أخرى، ويرجح بعضهم أنها العبرية، ويزعمون أن كلمة لقمان تعريب من العرب لكلمة بلعم، وبلعم بن باعورا يهودي معروف، وقد ذكر الإمام مالك في موطئه كثيرا من حكمه؛ وجمعت له جملة أمثال قصصية في كتاب اسمه: «أمثال لقمان» ويدل ضعف أسلوبه، ونزول عبارته، وكثرة الخطأ النحوي والصرفي فيه، على أنه موضوع من عهد قريب، ولم يرد ذكر هذا الكتاب في كتب العرب القديمة فيما نعلم، ورأى بعض الباحثين وجوه شبه بين بعض الأمثال المنسوبة للقمان، وقصص «إيزوب» اليونانية، وأخذوا يفترضون الفروض في منشأ ذلك مما ليس هذا محله.

وبعد؛ فإن نحن نظرنا إلى أمثال العرب التي نسبت إلى الجاهليين وجدنا بعضها سخيفا يستخرج منك ابتسامة الاستهزاء، كالذي ذكرنا من قبل من أقوال ساقطة التعبير، وبعضها قبيح اللفظ في فحش، وبعضها نظرات للحياة متناقضة، مثل: «سمن كلبك يأكلك»، «وأجع كلبك يتبعك»؛ وكثير منها نتيجة تجربة صادقة ونظر هادئ حكيم، مثل: «أخو الظلماء أعشى بليل»، و«إن من الحسن لشقوة»، و«أم الصقر مقلات نزور»، و«تجوع الحرة ولا تأكل بثدييها»، و«التمرة إلى التمرة تمر»، و«الثكلى تحب الثكلى»، و«الحرب مأيمة»، و«بئس العوض من جمل قيده»، و«بينهم داء الضرائر»، و«ترى الفتيان كالنخل، وما يدريك ما الدخل» ... إلخ.

والعرب حقا أجادوا في هذا النوع من الأدب، وخلفوا لنا ما يدل على عقليتهم أكثر مما يدلنا الشعر والقصص، ويظهر أن سبب ذلك أنه يوافق مزاجهم العقلي، وهو النظر الجزئي الموضعي لا الكلي الشامل؛ لأن المثل لا يستدعي إحاطة بالعالم وشئونه، ولا يتطلب خيالا واسعا، ولا بحثا عميقا، إنما يتطلب تجربة محلية في شأن من شئون الحياة.

تدلنا الأمثال على حياة الغرب الاجتماعية التي أجملناها من قبل، فنظرة إلى مجموعة الأمثال التي قيلت في المرأة، تدل على انحطاط منزلتها في نظرهم؛ والتي قيلت في الحياة الاقتصادية، تدل على فقر البلاد وإجدابها، ويطول بنا القول لو عرضنا لك كل الأمثال التي قيلت في كل باب وما يستنتج منها، ولكنا نحيلك في ذلك على أمثال الميداني، وجمهرة الأمثال لأبي هلال العسكري، وأمثال المفضل الضبي، بعد أن أبنا لك وجهة نظرنا في كيفية بحثها.

وهناك نوعان آخران يلحقان بالأمثال، ولها قيمة كبيرة في الدلالة على الحياة العقلية؛ ولكن يظهر أن المؤلفين لم يعنوا بهما العناية الكافية فلم يجمعوهما ويرتبوهما كما فعلوا في الأمثال، إنما تراهما منثورين مبعثرين في الكتب، وهما: (الأول):

الأحاجي أو الألغاز، كالذي زعموا أنه اجتمع يوما عبيد بن الأبرص وامرؤ القيس، فقال له عبيد: كيف معرفتك بالأوابد؟ فقال: قل ما شئت تجدني كما أحببت، قال عبيد:

ما حية ميتة قامت بميتتها

درداء ما أنبتت نابا وأضراسا؟

فقال امرؤ القيس:

تلك الشعيرة تسقى في سنابلها

قد أخرجت بعد طول المكث أكداسا

فقال عبيد:

ما السود والبيض والأسماء واحدة

لا يستطيع لهن الناس تمساسا؟

فقال امرؤ القيس:

تلك السحاب إذا الرحمن أنشأها

روى بها من نحو الأرض أيباسا

إلى آخر القصة، وهي طويلة.

وكالذي زعموا أن امرأ القيس آلى على نفسه ألا يتزوج امرأة حتى يسألها عن ثمانية وأربعة واثنين، فجعل يخطب النساء، فإذا سألهن عن هذا قلن له: أربعة عشر، فبينما هو يسير إذا هو برجل يحمل ابنة له صغيرة كأنها البدر ليلة تمه، فأعجبته، فقال لها: يا جارية! ما ثمانية وأربعة واثنان؟ فقالت: أما ثمانية فأطباء الكلبة، وأما أربعة فأخلاف الناقة، وأما اثنان فثديا المرأة، فخطبها من أبيها ... إلخ.

ولم نسق هذين المثلين لاعتقادنا بصحتهما، فإن أثر الصنعة الإسلامية واضح في قوله: تلك السحاب إذا الرحمن أنشأها، وفي قوله بعد:

فجر الإسلام · الصفحة ٣٢

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

فجر الإسلامص ٣٢