تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

وبعد؛ فهل حق أن الشعراء أعلم الطبقات في الجاهلية؟ نحن نشك في هذا كثيرا؛ لأنا نرى أنه كان في الجاهلية طبقة أخرى هي طبقة الحكام، وهؤلاء كانوا يحكمون بين الناس إذا تشاجروا في الفضل والنسب، وغير ذلك، وكان لكل قبيلة حاكم أو أكثر، واشتهر منهم كثيرون كأكثم بن صيفي، وحاجب بن زرارة، والأقرع بن حابس، وعامر بن الظرب؛ وما روي عنهم في كتب الأدب من أقوالهم وأحكامهم يدلنا على أنهم أرقى عقلية، وأصدق رأيا من الشعراء، وإن كان الشعراء أوسع خيالا وأكثر في القول افتنانا.

نعم، إن الشعراء كانوا من أرقى الطبقات عقلا، بدليل ما صدر عنهم من شعر، وبدليل أحاديث مبعثرة تراها تدل على اعتداد الشعراء بأنفسهم من ناحية الرقي العقلي، كالذي جاء في سيرة ابن هشام «أن الطفيل الدوسي قدم مكة ورسول الله بها، فحذره رجال من قريش من سماع النبي حتى لا يتأثر بقوله، قال الطفيل: فما زالوا بي حتى أجمعت ألا أسمع منه شيئا، ثم قلت في نفسي: واثكل أمي! والله إني رجل لبيت شاعر، ما يخفى علي الحسن من القبيح، فما يمنعني من أن أسمع من هذا الرجل ما يقول؟ فإن كان الذي يأتي به حسنا قبلته، وإن كان قبيحا تركته».

أضف إلى ذلك أنا نجد أكثر الشعراء في الجاهلية من أكرم الناس على قومهم؛ لأن موقف الشاعر في قبيلته كان التغني بمناقبها، ورثاء موتاها، وهجاء أعدائها، وقل أن تجد في أول أمرهم من كان صعلوكا يتخذ الشعر حرفة كما فعل الحطيئة بعد.

ومع هذا فإنا نرى أن الشعراء كانوا من أرقى طبقاتهم عقلا، ولكن ليسوا أرقاهم.

دلالة الشعر على الحياة العقلية: قديما قالوا: «إن الشعر ديوان العرب»، يعنون بذلك سجل سجلت فيه أخلاقهم وعاداتهم، وديانتهم وعقليتهم، وإن شئت فقل: إنهم سجلوا فيه أنفسهم؛ وقديما انتفع الأدباء بشعر العرب في الجاهلية، فاستنتجوا منه بعض أيامهم وحروبهم، وعرفوا منه أخلاقهم التي يمدحونها والتي يهجونها، واستدلوا به على جزيرة العرب وما فيها من بلاد وجبال وسهول ووديان ونبات وحيوان، وما كانوا يعتقدون في الجن، وما كانوا يعتقدون في الأصنام والخرافات، وألفوا في ذلك جميعه الكتب المختلفة.

وكانت الطريقة المثلى للانتفاع بهذا «الديوان» أن يعنى العلماء بجمع ما صح عندهم من الشعر الجاهلي، مع نقد السند والمتن، وإبعاد ما لم يصح، كما فعل المحدثون في الحديث، فليس لدينا مجموعة من الشعر الجاهلي ذكر سندها، وعني ببيان رجالها عناية تامة، كالذي عندنا من صحيح البخاري ومسلم وغيرهما، وكان يجب أن يعنى بالشعر الجاهلي هذه العناية متى عددناه «ديوانا» نسجل فيه الحوادث والعادات ونظرنا إليه كأنه وثائق تاريخية، ولكن يظهر أن هذا النظر إلى الشعر الجاهلي لم يكن سائدا عند الرواة والأدباء، إنما كان السائد عندهم أو عند أكثرهم النظر إليه كمادة لتعليم اللغة، أو كأنه طرفة وملهى ومادة لحسن المحاضرة؛ فلم يكن يعنى به هذه العناية التي بذلت في الحديث، ولم ير من يتعمد الكذب فيه أن يتبوأ مقعده من النار.

نعم، إن بعض الأدباء سار في الأدب سيره في الحديث، فكان يروي الخبر معنعنا، ووضع بعضهم مصطلحات لرواية الأدب على نمط مصطلح الحديث، ولكن يظهر لنا أنها كلها محاولات أولية لم تنضج، ولم يسيروا فيها إلى النهاية.

كذلك أكثر ما روي لنا قد عني فيه بالمختارات أكبر عناية، وهم في هذا ينظرون نظرة الأديب لا نظرة المؤرخ، فالقصيدة التي لم يحكم نسجها، ولم تهذب ألفاظها ولم يصح وزنها، قد يعجب بها المؤرخ أكثر من إعجابه بالقصيدة الكاملة من جميع نواحيها، ويرى فيها دلالة على الحياة العقلية أكثر من قصيدة راقية، ولعل هذا هو السبب في أنا مع اعتقادنا أن الشعر كان خاضعا للنشوء والارتقاء، قل أن نرى فيما يروى لنا منه المحاولات الأولية التي بدأ بها الشعراء شعرهم، ثم تدرجوا منها إلى ما وصل إلينا من الرقي، ذلك أن الأديب لم يكن يروقه ذلك فيهمله، أو يستضعف وزنه فيصلحه، وبذلك يضيع كثير من معالم التاريخ. •••

فجر الإسلام · الصفحة ٢٨

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

فجر الإسلامص ٢٨