لو كان عندنا هذه المجموعة التي لا يقصد فيها إلى الاختيار، ولكن يقصد فيها إلى الصحة، لكان لنا مادة صادقة للدلالة على أشياء كثيرة، منها الحياة العقلية.
ومع هذا فما لدينا يمثل بعض الشيء - وإن لم يكن وافيا كما ذكرنا من قبل - وأشهر المجموعات التي لدينا مما نسب إلى الجاهليين - عدا دواوين الشعراء - هي: (1)
المعلقات السبع، ويغلب على الظن أن جامعها حماد الراوية. (2)
المفضليات، وجامعها المفضل الضبي، وتشتمل على نحو 128 قصيدة. (3)
ديوان الحماسة لأبي تمام، وفيه مقطعات كثيرة صغيرة من الشعر الجاهلي. (4)
ومثله حماسة البحتري. (5)
وفي كتاب الأغاني، والشعر والشعراء لابن قتيبة أشعار ومقطعات كثيرة للجاهليين. (6)
مختارات ابن الشجري. (7)
جمهرة أشعار العرب لمن يسمى أبا زيد القرشي.
والشعر الذي وصل إلينا عن الجاهلية لم يعد تاريخ أقدمه 150 سنة قبل البعثة؛ ونظرة عامة إليه تدلنا على أنه ليس متنوع الموضوعات كثيرا، ولا غزير المعاني، فما روي لنا من القصائد موسيقاه واحدة، يوقع على نغمة واحدة، والتشابيه والاستعارات تكرر غالبا في أكثر القصائد: قلة في الابتكار، وقلة في التنوع، ولنستعرض كثيرا منها، فماذا نرى؟
يتخيل الشاعر أنه راحل على جمل ومعه صاحب أو أكثر، وقد يعرض له في طريقه أثر أحبة رحلوا فيستوقف صحبه ويبكي معهم على رسم دارهم، ويذكر أياما هنيئة قضاها معهم، وأن العيش بعدهم لا يحتمل، ثم يصف محبوبته إجمالا وتفصيلا، ويخرج من هذا إلى وصف ناقته أو فرسه ويقارنها بالوعل أو النعامة أو الغزال، وقد يطفر من ذلك إلى وصف الصيد ومنظره ومنازلته؛ وبعد هذا كله يتعرض للموضوع الذي من أجله أنشأ القصيدة، فيتمدح بشجاعته أو يتغنى بفعال قبيلته، أو يعدد محاسن ممدوحه ويصف كرمه، أو يفتخر بموقعة انتصر فيها قومه، أو يهجو قبيلة عدت على قبيلته، أو يحمل قومه على الأخذ بالثأر أو يرثي راحلا؛ وهذه - تقريبا - كل الموضوعات التي قيل فيها الشعر الجاهلي، وهي موضوعات كما ترى محدودة ضيقة، هي ظل حياة الصحراء، وصورة صادقة لعيشة البداوة، والحق أنهم في البيان واللعب بالألفاظ كانوا أقدر منهم على الابتكار وغزارة المعنى، فترى المعنى الواحد قد توارد عليه الشعراء فصاغوه في قوالب متعددة تستدعي الإعجاب، ولكن لا يستدعي إعجابنا خلقهم للمعاني، وابتكارهم للموضوعات، وقد عبر عنترة عن ذلك بقوله:
هل غادر الشعراء من متردم
أم هل عرفت الدار بعد توهم
وزهير إذ يقول:
ما أرانا نقول إلا معارا
أو معادا من لفظنا مكرورا
ولكن ما أنصفوا، فقد غادر الشعراء كثيرا، والناس من قديم يشعرون ولا يزال مجال القول ذا سعة، ولا يزال الخيال الخصب ينتج ويجدد، ويخلق موضوعات لم تكن ومعاني لم يسبق بها؛ ولكن ضيقوا على أنفسهم، أو قل ضيقت عليهم بيئتهم فلم يجدوا إلا أن يقول معادا أو معارا.
اللهم إلا أبياتا قليلة مبعثرة تشعر فيها بمعنى جديد، وترى فيها أثر الابتكار واضحا، وإلا شعراء نادرين كانت لهم مناح خاصة وشخصية واضحة، وتسمع لقولهم نغمة جديدة، كالذي تراه في زهير، فقد عني بأخلاقية قومه، وعبر عنها تعبيرا صادقا.
وكذلك تشعر حين تقرأ الشعر الجاهلي - غالبا - أن شخصية الشاعر اندمجت في قبيلته حتى كأنه لم يشعر لنفسه بوجود خاص؛ وإنك لتتبين هذا بجلاء في معلقة عمرو بن كلثوم؛ وقل أن تعثر على شعر ظهرت فيه شخصية الشاعر، ووصف ما يشعر به وجدانه، وأظهر فيه أنه يحسن لنفسه بوجود مستقل عن قبيلته.
ولما انتشرت اليهودية والنصرانية بين العرب ظهرت نغمة دينية جديدة، تراها في مثل شعر عدي بن زيد في الحيرة، ثم في أمية بن أبي الصلت في الطائف.
وخلاصة القول أن الشعر الجاهلي لا يدلنا على خيال واسع متنوع، ولا على غزارة في وصف الشاعر والوجدان بقدر ما يدلنا على مهارة في التعبير وحسن بيان في القول. (3) الأمثال