تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

وبعد؛ فمع كل هذه العقبات نرى أن ما يسلم من شعر ومثل صحيحين يدلنا - نوعا ما - على حياتهم العقلية، كما يدلنا كم ثوب عثر عليه على طول الثوب نفسه وسعته، على اختلاف في الصعوبة بين الماديات والمعنويات.

وهذا الباقي يدلنا على غنى معجم اللغة قبل الإسلام، وخاصة فيما يتصل بنوع معيشتهم، وقد عبر عن ذلك الأستاذ «نولدكه» خير تعبير إذ يقول: «إنا ليتملكنا الإعجاب بغنى معجم اللغة العربية القديم، إذا ذكرنا مقدار بساطة الحياة العربية وشئونها، وتوحد مناظر بلادهم واطرادها اطرادا يدعو إلى السآمة والملل، وهذا يستتبع حتما ضيق دائرة التفكير، ولكنهم في داخل هذه الدائرة الضيقة وضعوا لكل تغير - وإن قل - كلمة تدل عليه؛ ويجب أن نقر بأن معاجم اللغة العربية قد تضخمت كثيرا بكلمات استعملها الشعراء وصفا لأشياء فذكرها اللغويون على أنها أسماء لتلك الأشياء، فمثلا إذا أطلق شاعر كلمة «الهيصم» على الأسد من الهصم وهو الكسر، وأطلق عليه آخر «الهراس» من الهرس وهو الدق، وضع أصحاب المعاجم الكلمتين على أنهما اسمان مرادفان للأسد، وقد أدخل باب الهجاء - على الأخص - في اللغة وفي الأدب العربي - وهو باب ذهب أكثر ما قيل فيه - تعبيرات كثيرة صاغها قائلوها في صور مبتكرة وأحيانا غريبة، وقد انتقص اللغويون - على ما يظهر - كلمات وردت في بعض الأشعار على قلة، ولم تكن مستعملة إلا في قبائل معينة، ولكن رغما عن هذا كله يجب أن نعترف بأن معجم اللغة العربية غني غنى رائعا، وسيبقى دائما مرجعا هاما لتوضيح ما غمض من التعبيرات في جميع اللغات السامية الأخرى.

وليست اللغة العربية غنية بكلماتها فحسب، بل بقواعد نحوها وصرفها أيضا، فجموع التكسير وأحيانا أسماء الأفعال كثيرة زائدة عن الحاجة» ا.ه باختصار.

ونحن نوافقه في غنى اللغة العربية غنى مفرطا في الحدود التي ذكرناها من قبل، وهي الحدود التي رسمتها لهم بيئتهم، فهم أغنياء في الجمل وما إليه، والصحراء وما فيها، وألفاظ العواطف المحدودة التي تجيش في صدورهم؛ ولكن ليست غنية فيما خرج عن هذه الحدود كالبحر وعالمه، ولا بأنواع الترف التي ينعم بها المنغمسون في الحضارة، يعرفون القبيلة وما تفرع منها، ويضعون لكل اسما؛ لأن نظام القبيلة نظامهم؛ ولكن لا يعرفون نظام الحكومات ولا أنواع الدواوين، فلم يضعوا لها بالضرورة اسما فلما عرفوا معنى الديوان أخذوا اسمه عمن يعرفه؛ وهكذا، ولم يكن يتطلب منهم في الجاهلية أن يضعوا كلمات لما لم يمس حياتهم، فذلك محال، وحسب الأمة فضلا أن تسمي ما تشعر به الاسم والأسماء، ولكن حسبها مذلة أن تتحضر وتتسع حياتها من جميع نواحيها، ثم لا تريد إلا أن تبقى - من حيث اللغة - في حدود الدائرة الضيقة التي رسمها لهم آباؤهم الأولون.

كذلك مما لا شك فيه أن اللغة العربية غنية باشتقاقها وتصريف كلماتها؛ فوضع صيغة فعلية لكل زمن، والمشتقات العديدة للدلالة على أنواع مختلفة من المعاني والأشخاص، كل هذا يشعرنا شعورا تاما بغنى اللغة وصلاحيتها للبقاء.

وللغة دلالة أخرى على الحياة العقلية من حيث ما تستخدم فيه اللغة من شعر ومثل وقصص ... وسيتجلى ذلك في الفصول التالية. (2) الشعر

يذهب بعض الباحثين

1

إلى أن الشعراء في الجاهلية كانوا «هم أهل المعرفة»، يعنون بذلك أن طبقة الشعراء في الجاهلية كانوا أعلم أهل زمانهم، وليسوا يعنون بالضرورة أي نوع من أنواع العلم المنظم، إنما يعنون أنهم أعلم بما يتطلبه نوع معيشتهم، كمعرفة الأنساب ومثالب القبيلة ومناقبها؛ وقد يساعد على هذا الرأي اشتقاق المادة، فشعر في الأصل معناه علم، تقول شعرت به: علمت؛ وليت شعري ما صنع فلان: أي ليت علمي محيط بما صنع؛

وما يشعركم أنها إذا جاءت لا يؤمنون : ما يدريكم، وشعر بكذا: فطن كما في اللسان، فالمادة كلها معناها العلم أو المعرفة، وعليه فيكون الشاعر معناه العالم، والشعراء: العلماء، ثم خصصوا الشعر بهذا الضرب من القول، قال في اللسان: «والشعر منظوم القوم، غلب عليه لشرفه بالوزن والقافية، وإن كان كل علم شعرا من حيث غلب الفقه على علم الشرع» اه. وربما ساعد على هذا أيضا ما جاء فيه: قال الأزهري: «الشعر القريض المحدود بعلامات لا يجاوزها، والجمع أشعار، وقائله شاعر؛ لأنه يشعر ما لا يشعر غيره؛ أي: يعلم» اه. ولكن يرى بعض المستشرقين أن كلمة شعر مأخوذة من اللغة العبرية ففيها «شير» بمعنى الترتيلة أو التسبيحة القدسية، ويرجحون ذلك بأنه لم يرد في اللغة العربية شعر بمعنى ألف البيت أو القصيدة، وكل ما فيها شعر بمعنى قال الشعر، وفرق بينهما.

فجر الإسلام · الصفحة ٢٧

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

فجر الإسلامص ٢٧