تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

فنستطيع إذا إذا حصرنا الكلمات العربية المستعملة في الجاهلية أن نعرف ماذا كانوا يعرفون عن الماديات، وماذا كانوا يجهلون، وماذا كانوا يعرفون من المعاني والعواطف والملكات النفسية، وماذا كانوا يجهلون، فإذا لم تجد - مثلا - كلمة ملكة أو عاطفة أو شعور في اللغة الجاهلية دل ذلك على أنهم لم ينتبهوا إلى تلك المعاني، فلم يضعوا لها ألفاظا، وهذا وأمثاله يحدد لنا مقدار رقيهم العقلي، ولكن مع الأسف لم يوضع معجم كهذا، وهل نستطيع ذلك؟ إنه يقف في سبيلنا جملة عقبات. (الأولى):

أن أكثر الشعر والنثر الجاهليين قد ضاع، قال أبو عمرو بن العلاء: «ما انتهى إليكم مما قالته العرب إلا أقله، ولو جاءكم وافرا لجاءكم علم وشعر كثير»، فمن أجل هذا نستطيع أن نثبت ولا نستطيع أن ننفي، نستطيع إذا صح عندنا بيت من الشعر الجاهلي أن نقول: إن ألفاظه ومعانيه تعرفها العرب، ولكن لا نستطيع إذا لم نجد أن نقول: إن العرب لا تعرف هذا اللفظ ولا هذا المعنى، وبذلك ينهدم جزء كبير من مظهر الحياة العقلية. (الثانية):

أن العرب في الجاهلية كانوا يعيشون قبائل، وهذه القبائل تختلف فيما بينها - كثرة وقلة - في اللغة وفي اللهجة، فقد تستعمل قبيلة كلمة ولا تستعملها القبيلة الأخرى، أو تستعمل غيرها، فقد روي «أن أبا هريرة لما قدم من دوس عام خيبر لقي النبي

صلى الله عليه وسلم - وقد وقعت من يده السكين - فقال له: ناولني السكين، فالتفت أبو هريرة يمنة ويسرة، ولم يفهم ما المراد باللفظ، فكرر به القول ثانية وثالثة، فقال: آلمدية تريد؟ وأشار إليها فقيل له: نعم، فقال: أوتسمى عندكم السكين؟ ثم قال: والله لم أكن سمعتها إلا يومئذ»، وهذه اللغات بدأ توحيدها قبل الإسلام واستمر هذا العمل في الإسلام، فقد تكون قبيلة استعملت كلمة لم تستعملها الأخرى، أو استعملت غيرها، خصوصا وأن بعض البيئات الطبيعية والاجتماعية لقبيلة قد تخالف ما للقبيلة الأخرى؛ فقبيلة على الساحل وأخرى في جبل، وثالثة في سهل وهكذا، فإذا لا يصح لنا إذا عثرنا على كلمة في شعر شاعر أن نستدل بها على الحياة العقلية للعرب أجمعين. (الثالثة):

أن كثيرا من الألفاظ العربية خلق في العصر الإسلامي، قال ابن جني في الخصائص: «إن العربي إذا قويت فصاحته، وسمت طبيعته، تصرف وارتجل ما لم يسبق إليه، فقد حكي عن رؤبة وأبية أنهما كانا يرتجلان ألفاظا لم يسمعاها ولا سبقا إليها»، وهناك ألفاظ تغيرت معانيها في الإسلام كأن يكون المعنى عاما في الجاهلية وخصص في الإسلام، كالصلاة والزكاة والحج والبيع والمزارعة ونحو ذلك، بل إن اللفظ الواحد قد يتغير مدلوله في عقل السامع بانتقاله من طور إلى طور في الحضارة، فلفظ الكرسي والمائدة والخوان والمطبخ والكانون والملهى له مدلول في ذهن البدوي غير مدلوله في ذهن الحضري؛ فالكرسي في ذهن البدوي أبسط شكل يطلق عليه اسم كرسي، وفي ذهن الحضري أشكال مختلفة من الكراسي لم يكن يتخيلها البدوي، إن شئت فانظر إلى ما نفهمه نحن الآن من مؤتمر وصحافة وجريدة ومطبعة وما كان يفهمه البدوي في الجاهلية من هذه الألفاظ، بل وما يفهمه العربي في العصر العباسي منها.

فما معجم الألفاظ للجاهليين قبل الإسلام؟ وهب أنك عثرت عليها، فما مدلولها بالدقة عندهم؟ ذلك مطلب عسير المنال.

قد تقول: إن في القرآن غناء عن ذلك، فقد نزل بلغة العرب وفهمه العرب وقت نزوله، ونصه لا يحتمل الشك، فنستطيع أن نتعرف منه لغة الجاهليين، فنقول: صحيح أن القرآن نزل بلغة العرب، ونصه لا يحتمل الشك، وهو يفيدنا في تعرف كثير من حياة الجاهلية العقلية فيما يحكي من أقوال المعاندين، وفيما يصور من حياتهم الاجتماعية والاقتصادية، ولكن ألفاظه وتعبيراته ومعانيه لا تمثل لغة الجاهليين بأكملها؛ لأن القرآن استعمل ألفاظا لم يكن يستعملها الجاهليون، وخصص ألفاظا لمعان لم يكن يخصصها الجاهليون، واستعمل استعارات ومجازات خارجة عن الدائرة التي كان يستعملها الجاهليون، وله أسلوب أخاذ كان بعيدا عن أسلوب الجاهليين، وله معان كذلك؛ قال السيوطي في المزهر: «قال ابن خالويه: إن لفظ الجاهلية اسم حدث في الإسلام للزمن الذي كان قبل البعثة، والمنافق اسم إسلامي لم يعرف في الجاهلية، وقال ابن الأعرابي: لم يسمع قط في كلام الجاهلية ولا في شعرهم فاسق ... إلخ»، فلا تستطيع بعد ذلك أن تقول: إن معجم القرآن ومعانيه وأمثاله تمثل الحياة العقلية من الناحية اللغوية.

فجر الإسلام · الصفحة ٢٦

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

فجر الإسلامص ٢٦