وكان النساطرة على الأخص أكثر إلماما بعلوم اليونان، وقد ترجموا كثيرا من الكتب اللاهوتية والفلسفية عن اليونانية، كما اشتهروا بالطب والعلوم الطبيعية، وكان من رجال الدين النساطرة أطباء في بلاد فارس، ومنهم كثيرون انتشروا في الحيرة، ولعل هذا هو السبب في أنه بعد ضعف شأن الحيرة وانتشار الإسلام في هذه البقاع كان أول حامل للواء العلم في الإسلام «البصرة والكوفة» لجوارهما الحيرة، وكان أول كتب استخدمت لبث الثقافة اليونانية هي المكتوبة باللغة السريانية والتي خلفتها هذه المدارس النسطورية، وعلى العموم فقد كان هؤلاء النساطرة هم الصلة بين اليونان والعرب. •••
هذه الأمور الثلاثة: التجارة، والإمارات على التخوم، واليهودية والنصرانية؛ كانت وسائل لتسرب المدنيات المجاورة إلى العرب ونفوذ ثقافتها إليهم؛ قال الهمداني في كتابه «الوشي المرقوم»: «لم يصل إلى أحد خبر من أخبار العرب والعجم إلا من العرب (كذا)؛ وذلك لأن من سكن مكة أحاط بعلم العرب العاربة وأخبار أهل الكتاب، وكانوا يدخلون البلاد للتجارات فيعرفون أخبار الناس، وكذلك من سكن الحيرة وجاور الأعاجم علم أخبارهم وأيام حمير وسيرها في البلاد، وكذلك من سكن الشام خبر بأخبار الروم وبني إسرائيل واليونان، ومن وقع بالبحرين وعمان فعنه أتت أخبار السند وفارس، ومن سكن اليمن علم أخبار الأمم جميعا؛ لأنه كان في ظل الملوك السيارة»، ولكن لم تكن معرفتهم بذلك معرفة وافرة، إنما كانت تتسرب هذه المدنيات من مجرى ضيق، وقد ينال التحريف ما ينقلون من غيرهم، كالذي نراه في بعض أمثال العرب المنقولة عن أمثال سليمان، وفي بعض القصص المنقولة عن الفرس والروم، فلم يكن العرب يأخذون ممن حولهم علما منظما كما نأخذ نحن من المدنية الغربية؛ لأن هناك عوائق كانت تحول دون ذلك؛ منها: الحوائل الطبيعية بين العرب وغيرهم من بحار وجبال وصحراوات؛ ومنها: البعد الكبير بين العرب والفرس والروم من حيث الحالة الاجتماعية والدرجة العقلية؛ وأكثر ما يكون اقتباس الحضارة والمدنية إذا تقاربت العقليتان؛ ومنها: انتشار الأمية بين العرب إذ ذاك، حتى ندر أن تجد فيهم القارئ الكاتب، إنما كان المخالطون للفرس والروم ينقلون حكما أو قصصا أو أمثالا أو حوادث تاريخية مما يخف حمله على الناقل، ومما يستطيع البدوي ومن في حكمه أن يهضمه.
ولعله ظهر لك مما ذكرنا أنه قد كانت هناك صلة بين العرب وغيرهم من الأمم أثرت في حياتهم المادية والأدبية، وهو ما أردنا إثباته.
الفصل الثالث
| طبيعة العقلية العربية
تختلف الشعوب عقليا ونفسيا اختلافا كبيرا، فعقلية الإنجليزي غير عقلية الفرنسي، وهما غير عقلية المصري؛ وهكذا، وهذه العقليات والنفسيات تختلف تبعا لاختلاف البيئة الطبيعية والاجتماعية التي تحيط بالأمة، فالشعوب تقف في العالم على درجات متسلسلة الرقي، وكل درجة لها مميزاتها العقلية والنفسية.
وأفراد الأمة الواحدة وإن اختلفوا في المدارك والتربية والتعليم ونحو ذلك فإن بينهم جميعا وحدة مشتركة، وهذه الوحدة تدركها في الملامح الجسمية حتى لتستطيع بعد قليل من المران أن تحكم بأن هذا إنجليزي أو فرنسي أو مصري، وهناك وحدة عقلية بين أفراد الأمة الواحدة تشبه الوحدة الجسمية تماما، فما هي هذه الوحدة العقلية والنفسية للعرب؟ وبعبارة أخرى: إذا اخترت عربيا ليكون نموذجا يمثل العرب في نفسيتهم فما تكون صفاته؟
اختلفت آراء الباحثين في هذا اختلافا كبيرا، ونحن نستعرض لك بعضها: (1)
يقول بعض الشعوبية في العرب: «لم تزل الأمم كلها من الأعاجم في كل شق من الأرض لها ملوك تحميها ومدائن تضمها، وأحكام تدين بها، وفلسفة تنتجها، وبدائع تفتقها في الأدوات والصناعات، مثل: صنعة الديباج ولعبة الشطرنج، ورمانة القبان، ومثل: فلسفة الروم في ذات الخلق والقانون والأصطرلاب، ولم يكن للعرب ملك يجمع سوادها، ويضم قواصيها، ويقمع ظالمها، وينهى سفيهها، ولا كان لها قط نتيجة في صناعة، ولا أثر في فلسفة، إلا ما كان من الشعر، وقد شاركتها فيه العجم، وذلك أن للروم أشعارا عجيبة قائمة الأوزان والعروض»