1 . (2)
ويقول الجاحظ في الرد عليهم والمقارنة بين العرب وغيرهم: «إن الهند لهم معان مدونة، وكتب مجلدة، لا تضاف إلى رجل معروف، ولا إلى عالم موصوف، وإنما هي كتب متوارثة، وآداب على وجه الدهر سائرة مذكورة؛ ولليونان فلسفة ومنطق، ولكن صاحب المنطق نفسه بكيء اللسان ولا موصوف بالبيان؛ وفي الفرس خطباء، إلا أن كل كلام وكل معنى للعجم فإنما هو عن طول فكرة، وعن اجتهاد وخلوة، وكل شيء للعرب فإنما هو بديهة وارتجال وكأنه إلهام، وليست هناك معاناة ولا مكابدة، ولا إجالة فكرة ولا استعانة، وإنما هو أن يصرف وهمه إلى الكلام، فتأتيه المعاني أرسالا، وتنثال عليه الألفاظ انثيالا، وكانوا أميين لا يكتبون، ومطبوعين لا يتكلفون، وكان الكلام الجيد عندهم أظهر وأكثر، وهم عليه أقدر وأقهر ... وليس هم كمن حفظ علم غيره واحتذى على كلام من كان قبله، فلم يحفظوا إلا ما علق بقلوبهم، والتحم بصدورهم، واتصل بعقولهم من غير تكلف ولا قصد، ولا تحفظ ولا طلب»
2 . (3)
رأي ابن خلدون في العرب: ولابن خلدون رأي في العرب منثور في مواضع عدة من تاريخه نلخصه فيما يلي بألفاظه:
يرى ابن خلدون أن حالة العرب حالة اجتماعية طبيعية، يمر عليها الإنسان في نشوئه وارتقائه؛ وعبر عن ذلك بقوله: «إن جيل العرب في الخلقة طبيعي»، ويقول: إنهم لطبيعة التوحش الذي هم فيه أهل انتهاب وعبث، ينتهبون ما قدروا عليه من غير مغالبة ولا ركوب خطر، ويفرون إلى منتجعهم بالقفر، والقبائل الممتنعة عليهم - بأوعار الجبال - بمنجاة من عبثهم وفسادهم، وأما البسائط متى اقتدروا عليها بفقدان الحامية وضعف الدولة؛ فهي نهب لهم يرددون عليها الغارة والنهب إلى أن يصبح أهلها مغلبين لهم، ثم يتعاورونهم باختلاف الأيدي وانحراف السياسة إلى أن ينقرض عمرانهم
3 .
وهم إذا تغلبوا على أوطان أسرع إليها الخراب؛ لأنهم أمة وحشية، فينقلون الحجر من المباني ويخربونها لينصبوه أثافي للقدر، ويخربون السقف ليعمروا به خيامهم، ويتخذوا الأوتاد منه لبيوتهم، وليس عندهم في أخذ أموال الناس حد ينتهون إليه، وليست لهم عناية بالأحكام وزجر الناس عن المفاسد؛ إنما همهم ما يأخذونه من أموال الناس نهبا أو مغرما؛ فإذا توصلوا إلى ذلك أعرضوا عما بعده من تسديد أحوالهم والنظر في مصالحهم، وهم متنافسون في الرياسة وقل أن يسلم واحد منهم الأمر لغيره ولو كان أباه أو أخاه أو كبير عشيرته إلا في الأقل، فيتعدد الحكام منهم والأمراء، وتختلف الأيدي على الرعية في الجباية والأحكام، فيفسد العمران وينتقض، وانظر إلى ما ملكوه من الأوطان من لدن الخليفة كيف تقوض عمرانه وأقفر ساكنه، فاليمن - قرارهم - خراب إلا قليلا من الأمصار، وعراق العرب كذلك قد خرب عمرانه الذي كان للفرس أجمع، والشام لهذا العهد كذلك
4 .
وهم أصعب الأمم انقيادا بعضهم لبعض، للغلظة والأنفة وبعد الهمة والمنافسة في الرياسة، فقلما تجتمع أهواؤهم، من أجل ذلك لا يحصل لهم الملك إلا بصبغة دينية من نبوة أو ولاية أو أثر عظيم من الدين على الجملة
5 .
والمباني التي يختطونها يسرع إليها الخراب لقلة مراعاتهم لحسن الاختيار في اختطاط المدن، في المكان وطيب الهواء والمياه والمزارع والمراعي، فإنه بالتفاوت في هذا تتفاوت جودة المصر ورداءته، والعرب بمعزل عن هذا، وإنما يراعون مراعي إبلهم خاصة، لا يبالون بالماء طاب أو خبث، ولا قل أو كثر، ولا يسألون عن زكاء المزارع والمنابت والأهوية، وانظر لما اختطوا الكوفة والبصرة والقيروان كيف لم يراعوا في اختطاطها إلا مراعي إبلهم وما يقرب من القفر ومسالك الظعن، فكانت بعيدة عن الوضع الطبيعي للمدن، ولم تكن لهم مادة تمد عمرانهم من بعدهم، وكانت مواطنها غير طبيعية للقرار، ولم تكن في وسط الأمم فيعمرها الناس، فلأول وهلة - من انحلال أمرهم وذهاب عصبيتهم التي كانت سياجا لها - أتى عليها الخرب والانحلال