تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

وكان بنجران كعبة، قال ياقوت: «وكعبة نجران هذه - يقال - بيعة، بناها بنو عبد المدان بن الديان الحارثي على بناء الكعبة، وعظموها مضاهاة للكعبة وسموها كعبة نجران، وكان فيها أساقفة معتمون»، ويستظهر بعض الباحثين أنها كانت كعب للعرب تحج إليها قبل مجيء النصرانية، ثم اتخذها النصارى بعد انتشار النصرانية فيها.

وكان نصارى نجران - على ما يستظهر (أوليرى) - على مذهب اليعاقبة، وهذا يعلل اتصالهم بالحبشة (لأنهم كانوا يعاقبة أيضا) أكثر من اتصالهم بالرومان.

واشتهر بين العرب من رؤسائها قبل الإسلام قس بن ساعدة، ويذكر أدباء العرب أنه كان أسقف نجران، ويقطع «لامانس» - في كتابه عن يزيد - ببطلان ذلك ويذكر أنه لم يكن له صلة بنجران.

وقد أوقع ذو نواس بأهل نجران وقتلهم - كما ذكرنا ذلك عند الكلام على اليهودية - ويروي بعض المؤرخين أنه نزل في ذلك قوله تعالى:

قتل أصحاب الأخدود * النار ذات الوقود * إذ هم عليها قعود * وهم على ما يفعلون بالمؤمنين شهود * وما نقموا منهم إلا أن يؤمنوا بالله العزيز الحميد ؛ وذلك بعيد؛ لأن كلا من اليهود والنصارى يؤمن بالله العزيز الحميد، وقد استنجد النصارى بالحبشة فأنجدوهم، وغزوا بلاد العرب سنة 522م ثم سنة 525م وهزموا ذا نواس، وأنشئوا مستعمرة حبشية على شاطئ البحر الأحمر، وحكموا تهامة واستمر حكمهم إلى سنة 575م حيث غزا الفرس بلاد اليمن واحتلوها وطردوا الحبشة منها، واستمرت النصرانية في نجران إلى عهد عمر فأجلاهم عنها وذهب أكثرهم إلى العراق.

وقد نشرت المسيحية تعاليمها بين العرب، وأوجدت فيهم من يميل إلى الرهبنة ويبني الأديرة؛ فهم يحدثوننا أن حنظلة الطائي فارق قومه ونسك، وبنى ديرا بالقرب من شاطئ الفرات ، ويعرف هذا بدير حنظلة، وترهب فيه حتى مات، ويذكرون أن قس بن ساعدة «كان يتقفر القفار، ولا تكنه دار، يتحسى بعض الطعام، ويأنس بالوحوش والهوام»، ويقولون: «إن أمية بن أبي الصلت كان قد نظر في الكتب وقرأها، ولبس المسوح تعبدا، ويذكرون أن عدي بن زيد نصح النعمان ملك الحيرة حتى حبب إليه النصرانية، ثم وضع تاجه، وخلع أطماره، ولبس أمساحه، فلزما عبادة الله في الجبال حتى مات النعمان»

11 .

وكان القسس والرهبان يردون أسواق العرب، ويعظون ويبشرون، ويذكرون البعث والحساب، والجنة والنار، وقد ورد في القرآن كثير من الآيات تحكي أقوالهم وتفند مذاهبهم، مما يدل على انتشار هذه التعاليم بينهم.

وكان من هؤلاء النصارى شعراء كقس بن ساعدة، وأمية بن أبي الصلت، وعدي بن زيد، وهؤلاء لهم مسحة خاصة في شعرهم، عليها طابع الدين ومتأثرة بتعاليمه، تزهد في الدنيا وشئونها، وتدعو إلى النظر في الكون والاعتبار بحوادثه، وهذه الأشعار وإن قلد أكثرها فقد أحكم تقليدها، حتى ليدلنا تقليدها على منهاج أصلها.

كذلك أدخلوا على اللغة العربية ألفاظا وتراكيب لم تكن تعرفها العرب، فهم يذكرون أن أمية بن أبي الصلت علم العرب (باسمك اللهم)، وقس أول من قال: (أما بعد)؛ وكان أمية يستعمل في شعره ألفاظا مجهولة لا تعرفها العرب، كان يأخذها من الكتب القديمة، فمنها قوله: «قمر وساهور يسل ويغمد»، وكان يسمي الله «السلطيط»، وسماه في موضع آخر «التغرور» ... إلخ.

كانت النصرانية - فوق هذا - من قبل دخولها جزيرة العرب تحمل في ثناياها شيئا من الثقافة اليونانية كما هو الشأن في اليهودية، فإنها إحدى الديانات التي ولدت في الشرق، وانتشرت في الإمبراطورية الرومانية - معهد الثقافة اليونانية - وكانت الإسكندرية هي المركز الجغرافي لمزج الدين بالفلسفة، كما أشرنا إلى ذلك من قبل، وفي العصور المسيحية الأولى كان كثير من آباء الكنيسة فلاسفة قبل أن يكونوا رجال دين؛ لأنهم رأوا من الضروري أن يؤيدوا أنفسهم وعقائدهم أمام الوثنيين، فلجئوا إلى الفلسفة يستمدون منها التعليل والبرهان، فتسربت إلى النصرانية فلسفة أرسطو وأفلاطون وغيرهما، وقد امتاز الشرق بأن أنشئت فيه مدارس لاهوتية متأثرة بالفلسفة اليونانية تقليدا للأكاديميات اليونانية، وأشهر ذلك مدرسة الإسكندرية التي كانت في بدء القرن الثالث للميلاد، وأنشأ ملكيون سنة 270م مدرسة في أنطاكية، وأنشئت في نصيبين مدرسة أخرى سنة 297م وهذه كانت تعلم السريانية واليونانية معا.

فجر الإسلام · الصفحة ١٤

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

فجر الإسلامص ١٤