كل هذا دعا المعتزلة أن يتسلحوا بسلاح عدوهم فجادلوهم جدالا علميا، وردوا هجمات القائلين بالجبر والمنكرين لله وما أثار اليهود والنصارى والمجوس من شكوك، ونشطوا لهذا العمل نشاطا بديعا؛ فواصل بن عطاء يقول عنه المرتضي: «إنه كان أعلم الناس بكلام غالية الشيعة ومارقة الخوارج، وكلام الزنادقة والدهرية والمرجئة وسائر المخالفين»، فأخذ بعد معرفة أقوالهم يرد عليهم في فصاحة من القول يصفها بشار بقوله فيه:
وقال مرتجلا تغلي بداهته
كمرجل القين لما خف باللهب
وتصفه زوجته فتقول: «كان إذا جنه الليل صف قدميه يصلي، ولوح ودواة بجانبه، فإذا مرت به آية فيها حجة على مخالف جلس فكتبها ثم عاد لصلاته»، ولم يكتف بذلك بل بعث دعاته إلى الأمصار يجادلون أصحاب التعاليم المخالفة وينشر مبادئه؛ فبعث عبد الله بن الحارث إلى المغرب، وحفص بن سالم إلى خراسان يناظر جهما القائل بالجبر، كما بعث إلى اليمن وإلى الجزيرة وإلى أرمينية، وأخذ واصل يؤلف الكتب في ذلك حتى ليذكرون أنه ألف كتابا فيه ألف مسألة للرد على المانوية - وكذلك كان عمرو بن عبيد يجادل مخالفيه ويدعو إلى الاعتزال في مهارة، يقول واصفه: كان عمرو إذا رأيته مقبلا توهمته جاء من دفن والديه، وإذا رأيته جالسا توهمته أجلس للقود، وإذا رأيته متكلما توهمت أن الجنة والنار لم يخلقا إلا له، وقد أبى هو وأصحابه الأولون - على ما يظهر - أن يتولوا للحكومة عملا، وأرادوا أن يكون عملهم لله خالصا، فابن قتيبة يحدثنا: «أن عمرو بن عبيد قال لأبي جعفر المنصور: إن الله أعطاك الدنيا بأسرها، فاشتر نفسك ببعضها، واذكر ليلة تمخض عن يوم لا ليلة بعده؛ فوجم أبو جعفر من قوله، فقال له الربيع: يا عمرو غممت أمير المؤمنين! فقال عمرو: إن هذا صحبك عشرين سنة، لم ير لك عليه أن ينصحك يوما واحدا، وما عمل وراء بابك بشيء من كتاب الله ولا سنة نبيه؛ قال أبو جعفر: فما أصنع؟ قد قلت لك خاتمي في يدك فتعال وأصحابك فاكفني، قال عمرو: ادعنا بعدلك تسخ أنفسنا بعونك، ببابك ألف مظلمة، أردد منها شيئا نعلم أنك صادق»
17
ولكنهم مع هذا كانوا مكروهين من كثير من المسلمين لأسباب: أهمها أنهم خالفوا أهل الحديث في كثير من آرائهم فحمل عليهم المحدثون حملات عنيفة، ومنها أنهم حولوا العقيدة الإسلامية البسيطة إلى عقيدة فلسفية عميقة، ومنها أنهم في أيام سلطتهم في عهد المأمون والمعتصم نكلوا بالناس في القول بخلق القرآن، ولم يسيروا سيرة فلسفية في الاكتفاء بتأييد رأيهم بالحجة، حملوا الناس على القول برأيهم بالسيف، وكان في ذلك ذهاب دولتهم وسمعتهم؛ ولعل من هذه الأسباب أنهم أنزلوا الصحابة منزلة سائر الناس فلم يقروا لهم بعصمة، وجرءوا عليهم يشرحون أعمالهم ويحكمون بصواب بعضها وخطأ بعضها، فقد رأيت ما قال عمرو بن عبيد، وجاء بعده النظام فنقد عمر وأبا بكر وابن مسعود في بعض أقوالهم، وأكذب حذيفة وأبا هريرة في حديث طويل
18 . •••
وقد فشا في العصر الأموي الجدل في هذه المذاهب التي ذكرنا من خوارج وشيعة ومرجئة ومعتزلة وغيرهم، وملئت كتب التاريخ والأدب والملل بما كان يدور بينهم من حوار شديد، فابن أبي الحديد يروي لنا أن الخوارج - في حرب المهلب لهم - كانوا يضعون السيف من حين لآخر ثم يلتقون بخصومهم ويتجادلون ويدعون إلى مذهبهم، ويحدثنا الأغاني أن ثابت قطنة استمع لقوم من الخوارج كانوا يجتمعون بقوم من المرجئة بخراسان فيتجادلون فمال إلى قول المرجئة وأحبه، وقال قصيدته التي ذكرناها في الإرجاء؛ ويحدثنا أيضا أن شيعيا ومرجئا اختصما واحتكما إلى أول من يطلع عليهما، فطلع «الدلال» فقالا له أيهما خير: الشيعي أم المرجئ؟ فقال: لا أدري إلا أن أعلاي شيعي وأسفلي مرجئ
19 ، ويحدثنا ابن نباتة أن هذا الخلاف وصل إلى الشعراء، فقد كان ذو الرمة قدريا، وكان رؤبة جبريا، وأنهما اختصما فقال رؤبة: والله ما فحص طائر أفحوصا، ولا تقرمص سبع قرموصا إلا بقضاء الله وقدره، فقال ذو الرمة: والله ما قرر على الذئب أن يأكل حلوبة عياييل ضرائك