قولهم بسلطة العقل وقدرته على معرفة الحسن والقبيح، ولو لم يرد بهما شرع، وللشيء صفة فيه جعلته حسنا أو قبيحا، فالصدق فيه صفة ذاتية جعلته حسنا، والكذب فيه صفة ذاتية جعلته قبيحا، ولذلك يشترك العقلاء في حسن الإحسان إلى الفقير وإنقاذ الغريق، ويستقبحون كفران الجميل وإيلام البريء، ولو لم يصلهم في ذلك شرع، بل ولو كانوا ملحدين؛ والشرع لم يجعل الشيء حسنا بأمره به، ولا القبيح قبيحا بنهيه عنه، بل الشرع إنما أمر بالشيء لحسنه، ونهى عن الآخر لقبحه، ولا يستطيع الشرع أن يعكس؛ لأن أمره ونهيه تابعان لما في الشيء ذاته من حسن وقبح.
وربما دعاهم إلى وضع هذا المبدأ ما رأوا من مغالاة قوم وجمودهم على ما ورد من حديث ولو موضوعا، ووقوفهم عند النص، فإذا لم يجدوا نصا لم يجرؤ على إبداء رأي، وقد رأيت هذه النزعة عند كلامنا على مدرسة الحديث، فأحس المعتزلة بالخطر الذي يصيب الناس من شل العقل إلى هذا الحد فوضعوا هذا الأساس، ولذلك كان علماء الحديث من أشد خلق الله كرها للمعتزلة، والعكس، ولما كانت الدولة للمعتزلة في عهد المأمون والمعتصم نكلوا بأهل الحديث تنكيلا في فتنة خلق القرآن، ولما زالت دولتهم نكل بهم المحدثون.
كذلك تعرض المعتزلة للأمور السياسية التي سبقت عصرهم وأدلوا فيها بآرائهم، ولم يجاروا الحسن البصري في قوله: «تلك دماء طهر الله منها أسيافنا فلا نلطخ بها ألسنتنا» بل قالوا: إن الصحابة أنفسهم كان يخطئ بعضهم بعضا ويحارب بعضهم بعضا، وقد روي عن عمرو بن عبيد في نقد الرجال الشيء الكثير، فقد سب أبا هريرة وطعن في روايته، وخون عمرو بن العاص ومعاوية بن أبي سفيان ونسبهما إلى سرقة مال الفيء كما أسلفنا، إلى كثير من أمثال ذلك، وعلى الجملة قد أباحوا لأنفسهم تشريح الصحابة ونقدهم والحكم على أعمالهم وحروبهم، وكان أكثرهم حرية في ذلك من اعتنق الاعتزال من الشيعة
16 ، ونحن نذكر لك طرفا من آرائهم في المسائل السياسية، فقد اتفقوا - تقريبا - على أن بيعة أبي بكر بيعة صحيحة شرعية، وأنها لم تكن عن نص من النبي
صلى الله عليه وسلم
وإنما كانت بالاختيار، واختلفوا في أيهما أفضل: أبو بكر أم علي؟ فقال قدماء البصريين كعمرو بن عبيد والنظام والجاحظ وهشام الفوطي: أن أبا بكر أفضل من علي، وقال البغداديون كبشر بن المعتمر وأبي الحسين الخياط: إن عليا أفضل؛ ولهم في ذلك حجاج طويل، ولما وصلوا إلى وقعة الجمل كان واصل بن عطاء يقول: إن أحد الفريقين فاسق بقتاله لا محالة، ولكن لم أستطع الجزم أي الفريقين هو الفاسق، وأما عمرو بن عبيد فقال بفسق الفرقتين المتقاتلتين جميعا، وتبرأ المعتزلة من عمر ومعاوية وخطئوهما وأتباعهما وهكذا حللوا كثيرا من الأعمال في التاريخ الإسلامي وأبدوا فيها رأيهم، واختلفوا فيما بينهم، وأدلى كل بالحجج التي يعزز بها رأيه مما يطول ذكره. •••
وقد نشأ الاعتزال كما رأيت في البصرة، وسرعان ما انتشر في العراق: واعتنقه من خلفاء بني أمية يزيد بن الوليد ومروان بن محمد؛ وفي العصر العباسي تكونت للاعتزال مدرستان كبيرتان: مدرسة البصرة ومدرسة بغداد، وكان بين معتزلي البصرة ومعتزلي بغداد جدال وخلاف في كثير من المسائل.
وكان المعتزلة أسرع الفرق للاستفادة من الفلسفة اليونانية وصبغها صبغة إسلامية، والاستعانة بها على نظرياتهم وجدلهم، وكان من أشهر من استخدم الفلسفة في ذلك أبو الهذيل العلاف والنظام والجاحظ، ولسنا نستطيع هنا أن نبين النظريات اليونانية وكيف نقلها أئمة المعتزلة، فموضع ذلك الكلام على الحركة العقلية في صدر الدولة العباسية إن شاء الله .
والحق أن المعتزلة هم الذين خلقوا علم الكلام في الإسلام، وأنهم أول من تسلح من المسلمين بسلاح خصومهم في الدين؛ ذلك أنه في أوائل القرن الثاني للهجرة ظهر أثر من دخل في الإسلام من اليهود والنصارى والمجوس والدهرية، فكثير من هؤلاء أسلموا ورءوسهم مملوءة بأديانهم القديمة، لم يزد عليهم إلا النطق بالشهادتين، فسرعان ما أثاروا في الإسلام المسائل التي كانت تثار في أديانهم، وكانت هذه الأديان التي ذكرناها قد تسلحت من قبل بالفلسفة اليونانية والمنطق اليوناني ونظمت طريق بحثها وتعمقت في ذلك كثيرا، فهاجموا الإسلام وهو الدين الذي يمتاز ببساطة عقيدته فأثاروا حوله الشكوك، وليس هؤلاء الذين أسلموا هم الذين فعلوا ذلك فقط، بل كانت البلاد الإسلامية مملوءة بذوي الأديان المختلفة الذين ظلوا على دينهم، وكان منهم كثيرون في بلاط الدولة الأموية يشغلون مناصب خطيرة، هؤلاء وهؤلاء أثاروا مسألة القدر على هذا النمط الفلسفي وكانت معروفة في دينهم، وأثاروا مسألة صفات الله وخلق القرآن ولها نظير في النصرانية، وأثار الزردشتيون كثيرا من مسائلهم.