تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

20 .

ويقول الراجز:

يا أيها المضمر هما لا تهم

إنك إن تقدر لك الحمى تحم

لو علوت شاهقا من العلم

كيف توقيك وقد جف القلم!

ويروي الأغاني عن ابن قتيبة أنه كانت بين الطرماح والكميت خلطة ومودة وصفاء على تفاوت المذاهب والعصبية والديانة، فكان الكميت شيعيا عصبيا عدنانيا، من شعراء مضر متعصبا لأهل الكوفة، والطرماح خارجي صفري قحطاني عصبي لقحطان من شعراء اليمن، متعصب لأهل الشام، فقيل لهما: ففيم اتفقتما هذا الاتفاق مع اختلاف سائر الأهواء؟ قال: اتفقنا على بعض العامة

21 .

ويروي الأغاني أيضا أنه كان بالبصرة ستة من أصحاب الكلام: عمرو بن عبيد، وواصل بن عطاء، وبشار الأعمى، وصالح بن عبد القدوس، وعبد الكريم بن أبي العوجاء، ورجل من الأزد «هو جرير بن حازم» فكانوا يجتمعون في منزل الأزدي ويختصمون عنده؛ فأما عمرو وواصل فصارا إلى الاعتزال، وأما عبد الكريم وصالح فصححا التوبة، وأما بشار فبقي متحيرا مخلطا، وأما الأزدي فمال إلى قول السمنية «وهو مذهب من مذاهب الهند»، قال: وكان عبد الكريم يفسد الأحداث بدعوتهم إلى دينه، وما زال عمرو بن عبيد به حتى أخرجه من البصرة ثم دل عليه من قتله، وروى الإمام أحمد أن الجهم لقي بعض السمنية، فقال له السمني: ألست تزعم أن لك إلها؟ قال الجهم: نعم، قال: فهل رأيت إلهك؟ قال: لا، قال: فهل سمعت كلامه؟ قال: لا، قال: فشممت له رائحة؟ قال: لا، قال: فما يدريك أنه إله؟ قال له الجهم: ألست تزعم أن فيك روحا؟ قال: نعم، قال: فهل رأيت روحك؟ قال: لا، قال: فسمعت كلامه؟ قال: لا، قال: فوجدت له حسا؟ قال: لا، قال فكذلك الله!

كل هذا يدلنا على أن حركة الجدال في المذاهب الدينية والآراء السياسية المصبوغة بالصبغة الدينية كانت في هذا العصر حركة عظيمة، وقد كان لها أثر كبير في العلم وفي السياسة وفي الأدب، وقد صدرت هذه الفرق عن عقليات مختلفة من فرس وروم وسريان وعرب وغيرهم، وكانت هذه العقليات تؤمن بأديان مختلفة من يهودية ونصرانية ومجوسية ووثنية وغيرها؛ ولو ظلت الأمة الإسلامية أمة عربية فقط لرأينا فيها أمثال الخوارج وأمثال المرجئة، ولكن ما كنا نرى فيها مذاهب الشيعة الغالية وتعاليمهم الغريبة، وما كنا نرى المعتزلة وأبحاثهم الفلسفية ومذاهبهم العميقة. •••

هذه الحركات العلمية التي شرحناها، والفرق الدينية التي أبنا تعاليمها كانت في الدولة الأموية على حالة السذاجة، لم تصل إلى درجة القواعد المنظمة، والعلوم المتميزة، والشرح المحكم، إنما وصلت إلى هذه الدرجة في صدر العصر العباسي لما أخذ خلفاء الدولة العباسية يناصرون الحركة العلمية، وينهضون بالأساس الذي وضعه العلماء في الدولة الأموية، مستعينين على ذلك بترجمة ما وصلت إليه الأمم قبلهم، وموعدنا في الكلام على ذلك الجزء التالي إن شاء الله وهو المستعان.

| أهم مصادر هذا الباب

الممل والنحل للشهرستاني.

الفصل في الملل والنحل لابن حزم.

شرح ابن أبي الحديد على نهج البلاغة.

الفرق بين الفرق للبغدادي.

أصول الدين للبغدادي «طبع حديثا في الأستانة».

مقالات الإسلاميين لأبي الحسن الأشعري «يطبع الآن في الأستانة ومنه نسخة خطية في مكتبة أياصوفيا».

المواقف وشرحه.

خطط المقريزي.

مقدمة ابن خلدون.

الرسالة الاثنا عشرية .

شرح البخاري للقسطلاني والنووي على مسلم.

تاريخ الجهمية والمعتزلة للقاسمي.

ابن خلكان.

رسائل متفرقة لابن تيمية.

الكامل للمبرد في أخبار الخوارج.

الأغاني في مواضع متفرقة.

البيان والتبيين للجاحظ.

دائرة المعارف الإسلامية في مادة خوارج شيعة وقدرية وغيرها.

Macdonald, Muslim Theology .

Browne, A Literary History of Pers a .

Goldziher, Dogma et Le Loi de Ľ Islam .

طبقات ابن سعد.

الأحكام السلطانية للماوردي.

فجر الإسلام · الصفحة ١٤٣

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

فجر الإسلامص ١٤٣