تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

لعلنا نستطيع أن نستنتج من هذا كله أن هناك وجه شبه كبير بين فئة المعتزلة الأولى الذين اعتزلوا الطائفتين المتقاتلتين، أعني عليا وعائشة وطلحة والزبير أولا، ثم عليا ومعاوية ثانيا، وبين فئة المعتزلة الثانية التي رأت أن ليس حقا ما عليه الخوارج من تكفير وحرب وقتال، وما عليه المرجئة من لين وتسامح؛ وأن كلتا الفرقتين المعتزلتين قد انتحت ناحية وحدها تخالف في منحاها الطوائف المختلفة في زمانها؛ وأن كلتا الفرقتين تمثل في أساس تعاليمها ناحية سياسية دينية، وإن كانت فرقة المعتزلة الثانية أضافت إلى ذلك بعد أبحاثا دينية بحتة كبحثهم الميتافيزيقي في صفات الله، وأنه ليس بجسم ولا عرض ... إلخ، وهذا القول يسلمنا - من غير شك - إلى ترجيح الرأي القائل بأنهم سموا المعتزلة لاعتزالهم قول الأمة، يعنون بذلك أنهم اشتقوا لأنسفهم طريقا جديدا ساروا فيه وخالفوا غيرهم، وليس تحولهم من سارية جديدة - إن صح - إلا رمزا لتنحيهم عن هذه الفرق وإنشائهم فرقة جديدة.

على كل حال لم يكن كثير من المعتزلة يرضى عن هذه التسمية، وإنما كانوا يسمون أنفسهم أهل العدل والتوحيد؛ أما التوحيد فلأنهم نفوا صفات الله وعدوا القول بها تعديدا لله؛ وأما العدل فلأنهم نزهوا الله عما يقول خصومهم من أنه قدر على الناس المعاصي ثم عذبهم عليها، وقالوا: إن الإنسان حر فيما يفعل، ومن أجل هذا عذب على ما يفعل، وهذا عدل.

اشتهر من أوائل الداعين إلى الاعتزال واصل بن عطاء وعمرو بن عبيد

15 ، فأما واصل فكان من الموالي، ولد في المدينة سنة 80ه ثم انتقل إلى البصرة، وسمع من الحسن البصري وغيره وتوفي سنة 131، وكان خطيبا بليغا مقتدرا على الكلام سهل الألفاظ، يقول فيه بعضهم:

عليم بإبدال الحروف وقامع

لكل خطيب يبلغ الحق باطله

وقد ألف كتبا كثيرة لم يصلنا منها شيء.

وأما عمرو بن عبيد فمولى كذلك، تتلمذ للحسن البصري واعتنق رأي واصل بن عطاء في الاعتزال، وألف كتبا كثيرة لم تصلنا، واشتهر بالزهد والورع، وفيه يقول أبو جعفر المنصور:

كلكم يطلب صيد

غير عمرو بن عبيد

وتوفي سنة 145ه في رجوعه من الحج.

وكلاهما «واصل وعمرو» عرف بالتقوى والصلاح، ويعدان بحق مؤسسي مذهب الاعتزال.

وتتلخص تعاليم المعتزلة في الأصول الآتية: (1)

القول بالمعتزلة بين المنزلتين؛ أي أن مرتكب الكبيرة ليس بكافر ولا مؤمن، لكنه فاسق، والفاسق يستحق النار بفسقه.

وقد دعا إلى إثارة هذا القول أن الحروب السياسية من مقتل عثمان ووقعة الجمل ووقعة صفين جعلت الناس يتساءلون من المحق ومن المخطئ، ثم انتقلوا من ذلك إلى القول بأن المخطئ كافر أو مؤمن، فكانت الخوارج تقول بكفر مرتكبي الذنوب، والمرجئة يقولون بأنه مؤمن، وقال الحسن البصري: إنه منافق، فقال واصل: إنه فاسق وله منزلة بين الكفر والإيمان، وقال: إنه يخلد في النار. (2)

القول بالقدر وأن الله لا يخلق أفعال الناس، وإنما هم الذين يخلقون أعمالهم، وأنهم من أجل ذلك يثابون أو يعاقبون، ولهذا وحده يستحق أن يوصف الله بالعدل؛ ولعل الذي حملهم على هذا القول ما رأوه من مغالاة جهم بن صفوان وأصحابه في سلب الإنسان قدرته وجعله كالجماد تجري الأعمال على يديه كما تجري على الحجر، وقد روي أن واصل بن عطاء أرسل بعض أصحابه إلى خراسان لمباحثة جهم ومجادلته. (3)

القول بالتوحيد فنفوا أن يكون لله تعالى صفات أزلية من علم وقدرة وحياة وسمع وبصر غير ذاته، بل الله عالم وقادر وحي وسميع وبصير بذاته، وليس هناك صفات زائدة على ذاته، والقول بوجود صفات قديمة قول بالتعدد، والله واحد لا شريك له من أي جهة كان، ولا كثرة في ذاته البتة، وتأولوا الآيات التي تثبت هذه الصفات والتي يفهم منها أن له صفات كصفات المخلوقين، وربما كان قد دعاهم إلى هذا القول ما شاع في عصرهم من ذهاب قوم إلى تجسيد الله تعالى وإثبات صفات له كصفات المخلوقين، كمقاتل بن سليمان الذي عاصر واصلا. (4)

فجر الإسلام · الصفحة ١٤٠

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

فجر الإسلامص ١٤٠