تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

وقف المعتزلة بين الخوارج والمرجئة موقفا وسطا، ولا بالشديد ولا بالهين اللين فقالوا - وعلى الأخص واصل وأتباعه - بالمنزلة بين المنزلتين، وبعبارة أخرى: بقول وسط بين الخوارج والمرجئة، قالوا: إن مرتكب الكبيرة ليس مؤمنا؛ لأن الإيمان عبارة عن خصال خير إذا اجتمعت سمي المرء مؤمنا وهو اسم مدح، والفاسق لم يستجمع خصال الخير ولا استحق اسم المدح فلا يسمى مؤمنا، وليس هو بكافر مطلق أيضا؛ لأن الشهادة وسائر أعمال الخير موجودة فيه لا وجه؛ لأنكارها

10 .

وهذا الرأي يستتبع آراء سياسية خطيرة ككل من القولين السابقين، فقد اضطر المعتزلة أن يطبقوا نظريتهم على الأعمال التي عملت منذ نشب الخلاف بين المسلمين، أي الفريقين كان مخطئا: عثمان أم قاتلوه؟ وهل كان علي محقا في وقعة الجمل أو عائشة؟ كيف نحكم على من كان في يدهم إدارة الحرب في صفين، من مرتكب الكبائر منهم، من الذي يعد بحق فاسقا؟

والحق أن فرقة المعتزلة كانت أجرأ الفرق على تحليل أعمال الصحابة ونقدهم وإصدار الحكم عليهم؛ فالمرجئة تحاشت الحكم بتاتا كما يقتضيه مذهبهم، والخوارج وإن أصدروا أحكاما فإن أحكامهم كانت قاصرة على مسائل محدودة كالتحكيم وعلي ومعاوية

11 . أما المعتزلة فلهم أحكام عامة في كثير من الصحابة كأبي بكر وعمر وعثمان وعلي ومعاوية وعمرو بن العاص وأبي هريرة وغيرهم، وكانوا في منتهى الصراحة في إبداء رأيهم؛ فواصل ابن عطاء «لم يجوز قبول شهادة علي وطلحة والزبير على باقة بقل، وجوز أن يكون عثمان وعلي على الخطأ»

12 ، وسب عمرو بن عبيد أبا هريرة وطعن في روايته، إلى كثير من أمثال ذلك، وهنا نتساءل: ماذا كان موقف الدولة الأموية من آراء المعتزلة السياسية في هذا الموضوع؟

الذي يظهر لي أنهم عدوا جرأة المعتزلة في نقد الرجال نوعا من التأييد لهم أكثر من تأييد المرجئة فإن تأييد المرجئة كما قلنا تأييد سلبي، فهم تركوا الخلافات الحزبية من غير نقد ومن غير تحليل، وهذا يؤيد علي وأتباعه ومعاوية وأتباعه؛ ولكن إذا انضاف إلى ذلك ما عند جمهور الناس إذ ذاك من شعور ديني برفعة شأن علي ومن إليه، فذلك يجعلنا نعتقد أن تأييد فكرة المرجئة للأمويين تأييد ضعيف، أما المعتزلة فتأييدهم لهم أقوى؛ لأن نقد الخصوم ووضعهم موضع التحليل وتحكيم العقل في الحكم لهم أو عليهم يزل - على الأقل - فكرة التقديس التي كانت شائعة عند جماهير الناس، نعم إن المعتزلة وضعوا معاوية وأصحابه موضع النقد كذلك، «وأكثرهم تبرأ من معاوية وعمرو بن العاص»

13

وعمرو بن عبيد خون عمرو بن العاص ومعاوية بن أبي سفيان ونسبهما إلى سرقة مال الفيء، ولكن يظهر أن الأمويين رأوا أن في ذلك من الكسب لهم أكثر من الخسارة، فهذا - على الأقل - يجعل معاوية وعليا في ميزان نقد واحد، وفي الغالب ترجح كفة معاوية وآله؛ لأن الدولة دولتهم والناس يخشون نقدهم ولا يخشون نقد غيرهم، ومن نتائج ذلك ما يروى عن ابن كيسان الأصم «أنه كان يخطئ عليا في كثير من أفعاله ويصوب معاوية في بعض أفعاله»

14 . ولنا على ما ذهبنا إليه دليلان: (الأول):

أنا لم نعثر فيما قرأنا في كتب التاريخ أن رجلا من كبار المعتزلة كواصل وعمرو بن عبيد وأمثالهما قد اضطهد من الأمويين أو عمالهم لذهابه هذا المذهب وتصريحه بآرائه في هذا الموضوع، بل كل الذي رأينا أن المعتزلة هم الذين هاجموا الخليفة الأموي الوليد لما اشتهر وتهتك، ووقف بعضهم - ومنهم عمرو بن عبيد - بجانب يزيد يحاربون الوليد، حتى إذا انتصر يزيد وولي الخلافة عرف للمعتزلة موقفهم فقربهم وعلا إذ ذاك شأنهم. (الثاني):

وهو أهم، ما نقل من أن بعض المتأخرين من خلفاء بني أمية كيزيد بن الوليد ومروان بن محمد اعتنق مذهب الاعتزال، ومن المحال أن يعتنقوه إذا كان يضعف دولتهم ويؤيد خصومهم.

فجر الإسلام · الصفحة ١٣٩

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

فجر الإسلامص ١٣٩