تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

وإن طائفتان من المؤمنين اقتتلوا فأصلحوا بينهما فإن بغت إحداهما على الأخرى فقاتلوا التي تبغي حتى تفيء إلى أمر الله .

بقيت هناك مسألة وهي: هل هناك شبه بين معتزلة الصدر الأول ومعتزلة واصل ومن إليه؟ وهل للآخرين نزعة دينية تشبه ما للأولين؟

فأكثر الكتب يذهب إلى أن محل الخلاف بين الحسن البصري وواصل كان - أول ما كان - حول مرتكب الكبيرة: أكافر أم مؤمن؟ وهذه المسألة وإن كانت في ظاهرها مسألة دينية بحتة إلا أن في أعماقها شيئا سياسيا خطيرا.

وبيان ذلك أنهم في هذه المسألة خالفوا الأزارقة من الخوارج والمرجئة؛ فالخوارج ترى أن العمل بأوامر الدين - من صلاة وصيام وصدق وعدل - جزء من الإيمان وليس الإيمان الاعتقاد وحده، فمن اعتقد أن لا إله إلا الله وأن محمدا رسول الله ثم لم يعمل بفروض الدين وارتكب الكبائر كان كافرا

9 ، وقد بالغ نافع بن الأزرق فكفر جميع من عدا فرقته - كما رأينا - وقال: «إنه لا يحل لأصحابه المؤمنين أن يأكلوا من ذبائح غيرهم، ولا أن يتزوجوا منهم، ولا يتوارث الخوارج وغيرهم، وهم مثل كفار العرب وعبدة الأوثان، لا يقبل منهم إلا الإسلام أو السيف» وهذه التعاليم لها نتائج سياسية خطيرة، فقد أدت إلى وقوفهم أمام الأمويين موقفا حربيا إيجابيا؛ لأن الأمويين في نظرهم مرتكبون للكبائر فهم كافرون، مثلهم مثل عبدة الأوثان، فيجب ألا يعترف بخلافتهم؛ لأن أول شرط في الخليفة أن يكون مؤمنا، بل يجب فوق ذلك أن يقاتلوا حتى يدخلوا في مذهبهم؛ فعدم استحقاق الأمويين للخلافة ووجوب محاربة الخوارج لهم مسائل سياسية مصبوغة بالصبغة الدينية، وقد حقق الخوارج فكرتهم فعليا، فكان تاريخهم تاريخ قتال مستمر.

أما المرجئة فكانوا على الطرف الآخر من الخوارج، فقد جعلوا الإيمان مجرد الاعتقاد القلبي، وليست التكاليف من صلاة وصيام ونحوها جزءا من الإيمان، ولا يخرج الإنسان عن إيمانه ارتكاب الكبائر؛ فهم وسعوا دائرة من يطلق عليه المؤمن إلى أقصى حد، بينما الخوارج ضيقوها حتى لا تسع إلا أنفسهم، بل لا تسع عند الأزارقة إلا فرقتهم ومن عداهم فكافر، وأكثر من هذا بالنسبة إلى المرجئة أن الشهرستاني حكى عنهم أنهم يقولون: «لا تضر مع الإيمان معصية كما لا تنفع مع الكفر طاعة»، وهذا الرأي - من غير شك - له نتائجه السياسية: أهمها أنهم طبقوا نظريتهم هذه على كل ما حدث من الخلافات السياسية والدينية بين المسلمين، فليس عثمان وأنصاره ولا الخارجون عليه بكافرين، ولا علي وأتباعه وعائشة وأتباعها يوم الجمل بخارجين عن الإسلام، ولا من انضم تحت لواء علي أو تحت لواء معاوية يوم صفين بكافرين، بل المسألة فوق ذلك مسألة قلبية بحتة، فمن اعتقد أي رأي بعد إيمانه وعمل وفق اعتقاده فهو مصيب، سواء نصر عثمان أو خرج عليه، وسواء كان مع علي أو معاوية.

والنتيجة الطبيعية لهذه الوجهة من النظر أن خلفاء بين أمية مؤمنون مهما ارتكبوا من الكبائر كما أن أعداءهم كذلك، ومن نتائج ذلك أيضا أنهم لا يوافقون الخوارج على محاربتهم للأمويين ومحاولتهم إزالة دولتهم، وفي هذا الرأي - رأي الإرجاء - تأييد للدولة الأموية وإن كان تأييدا سلبيا لا إيجابيا «بمعنى أنهم ليسوا أعداءهم ولا خارجين عليهم ولا ناقمين منهم»، بل نرى أكثر من ذلك تأييدا عمليا، فنرى «ثابت قطنة» أحد رجال الإرجاء وشعرائهم يعمل ليزيد بن المهلب ويتولى أعمالا من أعمال الثغور فيحمد يزيد له مكانه لكتابته وشجاعته؛ ولكن يظهر أن الأمويين لم يعدوا المرجئة - على العموم - أعداءهم، كما لم يعدوهم إلا بمقدار ما يستفيد المحارب من المحايد.

إذن، وقف الخوارج موقفا مشددا لم يعدوا فيه مؤمنا إلا فئة قليلة يحصون عددا؛ ومن ناحية أخرى تساهل المرجئة تساهلا كبيرا، فهم كما أسلفنا لا يحكمون بالكفر على الأمويين والشيعة والخوارج ولا على أحد ممن نطق بالشهادتين؛ بل لا يحرمون بكفر الأخطل ونحوه من النصارى واليهود؛ لأن الإيمان محله القلب، وليس يطلع عليه إلا الله؛ وذلك يدعو إلى مسألة الناس جميعا، وهذا النظر - كما قال زيد بن علي - أطمع الفساق في عفو الله.

فجر الإسلام · الصفحة ١٣٨

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

فجر الإسلامص ١٣٨