تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

4 . (3)

ويفهم من قول المسعودي في مروج الذهب رأي ثالث، وهو أنهم سموا بالمعتزلة لقولهم بأن صاحب الكبيرة اعتزل عن الكافرين والمؤمنين، فالمعتزلة على رأيه هم القائلون باعتزال صاحب الكبيرة.

والقولان الأخيران مختلفان وإن كان الفرق بينهما دقيقا؛ فعلى الرأي الثاني الاعتزال وصف للفرقة نفسها؛ لأنها أحدثت رأيا جديدا خالفت فيه من قبلها؛ وعلى الرأي الثالث الاعتزال وصف لمرتكب الكبيرة في الأصل، وسميت الفرقة بها؛ لأنها جعلت مرتكب الكبيرة يعتزل المؤمنين والكافرين

5 .

وهذه الأقوال كلها تريد أن تفهم نتيجتين: (الأولى):

أن الاعتزال تكون حول الحسن البصري وتلميذيه واصل بن عطاء وعمرو بن عبيد. (والثانية):

أن الاعتزال كان يدور حول مسائل دينية بحتة.

فهل هاتان النتيجتان صحيحتان؟

إنا بالرجوع إلى كثير من كتب التاريخ نرى أن كلمة اعتزال ومعتزلة واعتزل استعملت كثيرا في صدر الإسلام في معنى خاص، هو أن يرى الرجل فئتين متقاتلتين أو متنازعتين ثم هو لا يقتنع برأي إحداهما ولا يريد أن يدخل في القتال والنزال بينهما؛ لأنه لم يكون له رأيا، أو رأى أن كليهما غير محق، من ذلك ما نراه من إطلاق المؤرخين هذه الكلمة كثيرا على الطائفة التي لم تشترك في القتال بين علي وعائشة في حرب الجمل، وعلى الذين لم يدخلوا في النزاع بين علي ومعاوية.

جاء في تاريخ الطبري أن قيس بن سعد عامل مصر لعلي كتب إليه يقول: «إن قبلي رجالا معتزلين قد سألوني أن أكف عنهم، وأن أدعهم على حالهم حتى يستقيم أمر الناس فنرى ويرى رأيهم، فقد رأيت أن أكف عنهم وألا أتعجل حربهم، وأن أتألفهم فيما بين ذلك لعل الله أن يقبل بقلوبهم، ويفرقهم عن ضلالتهم إن شاء الله»

6

وفي موضع آخر: «ولم يلبث محمد بن أبي بكر شهرا كاملا حتى بعث إلى أولئك القوم المعتزلين الذين كان قيس وادعهم، فقال: يا هؤلاء إما أن تدخلوا في طاعتنا وإما أن تخرجوا من بلادنا فبعثوا إليه إنا لا نفعل، دعنا حتى ننظر إلى ما تصير إليه أمورنا ولا تعجل بحربنا»

7 .

ومثل هذا ورد في ابن الأثير وأبي الفداء، بل إن عبارة أبي الفداء في ذلك أوضح إذ يقول: «وسموا هؤلاء المعتزلة لاعتزالهم بيعة علي»، ففي هذه العبارة تصريح بأن كلمة «المعتزلة» أطلقت عليهم، ونستطيع من ذلك أن نستنتج نتيجتين تخالفان المشهور: (الأولى):

أن هذه الكلمة سميت بها فئة خاصة قبل مدرسة الحسن البصري بنحو مائة عام، وأن إطلاقها على مدرسة واصل بن عطاء وعمرو بن عبيد كان إحياء للاسم القديم لا ابتكارا، وأنه من العسير علينا أن نصدق أن هذا الاسم - وقد كان معروفا وله صبغة خاصة - يطلق لمناسبة انتقال «واصل» من سارية إلى سارية

8 . (الثانية):

أن هذا الاسم - وهو الاعتزال - أطلق على الذين لم ينغمسوا في حرب الجمل ولم يشتركوا في وقعة صفين، وهذه المسائل التي كان يدور عليها القتال مسائل سياسية تدور كلها حول قتل عثمان وقتلته والقصاص منهم، وعلي واستحقاقه للخلافة، ومعاوية وهل هو أولى بالخلافة من علي، ونحو ذلك؛ والانقسام فيها بين الناس كان انقسام أحزاب سياسية، ولكن من الحق أن نقرر أن المسائل في ذلك العصر سواء كانت اجتماعية أو اقتصادية أو سياسية أو شخصية كانت كلها مصبوغة صبغة دينية، «فنظام الأسرة والعلاقات التجارية والعقود المالية وما إلى ذلك كلها تصطبغ بالدين وترجع إليه، وتعول عليه»؛ فالحزب أو الطائفة التي أطلق عليها في الصدر الأول اسم «معتزلة» كانت تمثل فكرة سياسية مصبوغة بالدين، إذا أردنا أن نلخص رأيها في كلمة قلنا: إنها ترى أن الحق ليس بجانب إحدى الفرقتين المتنازعتين، فهما على باطل، أو على الأقل لم ينكشف الحق في جانب إحداهما، والدين إنما يأمر بقتال من بغى، فإذا كانت الطائفتان باغيتين أو لم يعرف الباغي اعتزلنا

فجر الإسلام · الصفحة ١٣٧

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

فجر الإسلامص ١٣٧