وقد نهض كثير من العلماء لمقاومة هذه الحركة، ونشطوا للرد على الجهمية نشاطا عظيما، ولعل أهم ما حملهم على الرد مسألتان: مسألة الجبر؛ لأنها تدعو إلى التعطيل وترك العمل والركون إلى القدر، ومسألة المغالاة في تأويل الآيات التي تثبت لله صفات، وفي هذا التأويل خطر على القرآن وتفهم معانيه.
ذابت القدرية والجهمية في غيرهما من المذاهب ولم يعد لهما وجود مستقل، وظهر على أثرهما مذهب المعتزلة، وكثيرا ما يسمى المعتزلة بالقدرية؛ لأنهم وافقوا القدرية في قولهم: «إن للإنسان قدرة توجد الفعل بانفرادها واستقلالها دون الله تعالى»، ونفوا أن تكون الأشياء بقدر الله تعالى وقضائه؛ وأحيانا يلقب المعتزلة بالجهمية، لا لأنهم وافقوا الجهمية في القدرة لأن الجهمية كما علمت جبرية؛ ولكن لأن المعتزلة وافقوا الجهمية في نفي الصفات عن الله وفي خلق القرآن، وقولهم: إن الله لا يرى، وقد ألف البخاري والإمام أحمد كتابين في الرد على الجهمية وعنيا بهم المعتزلة، والمعتزلة يبرءون من هذين الاسمين، فلا يرضون أن يمسوا بالقدرية، ويقولون - كما رأيت - إن مثبت القدر أولى بالانتساب إليه من نافيه، ويتبرأ بشر بن المعتمر - أحد رؤساء المعتزلة - من الجهمية في أرجوزته إذ يقول:
ننفيهمو عنا ولسنا منهم
ولا همو منا ولا نرضاهم
إمامهم جهم وما لجهم
وصحب عمرو
1
ذي التقى والعلم!
اسم المعتزلة: إذا نحن استعرضنا ما بين أيدينا من المصادر التي تكلمت في سبب تلقيب المعتزلة هذا اللقب وجدناها لا تعدو ثلاثة: (1)
أنهم لقبوا بالمعتزلة؛ لأن واصلا وعمرو بن عبيد اعتزلا حلقة الحسن واستقلا بأنفسهما على أثر تقريرهما أن مرتكب الكبيرة لا مؤمن مطلقا ولا كافر مطلقا؛ بل هو في منزلة بين المنزلتين، فسموا من أجل ذلك بالمعتزلة
2 ، وهذا الرأي ضعيف من جملة وجوه: (أحدها):
أن انتقال واصل أو عمرو بن عبيد من حلقة في المسجد إلى أخرى ليس بالأمر الهام الذي صح أن تلقب به فرقة، والأوجه أن تكون التسمية متعلقة بالجوهر لا بالعرض. (ثانيها):
اختلاف الرواة في الرواية، فبعضهم ينسب حادثة الانفصال إلى عمرو بن عبيد، وبعضهم ينسبها إلى واصل، وبعضهم ينسب هذه التسمية إلى الحسن البصري، وبعضهم ينسبها إلى قتادة؛ وهذا - من غير شك - يضعف الرواية ويجعلها محلا للنقد. (وثالثها):
أن كثيرا من الكتب تتكلم عن شخص فتقول: إنه «كان يقول بالاعتزال، أو هو من أهل الاعتزال»، وهذا يدل على أن اسم الاعتزال مذهب ذو مبادئ لا مجرد انفصال من مجلس إلى آخر، وأن الاعتزال معنى من المعاني لا حركة جسمية. (2)
هناك رأي آخر يرى أن المعتزلة سميت كذلك «لاعتزالهم كل الأقوال المحدثة»
3
يعنون بذلك أنهم خالفوا الأقوال السابقة في مرتكب الكبيرة؛ ذلك أن المرجئة كانت تقول: إنه مؤمن، والأزارقة من الخوارج كانت تقول: إنه كافر، وكان الحسن البصري يقول: إنه منافق، فخالف واصل ومن إليه هذه الأقوال كلها، وانتحى في القول ناحية أخرى فقال: إنه لا مؤمن ولا كافر، والقائلون بهذا يجعلون سبب التسمية معنوية لا حسية، ويجعلونها أيضا تدور حول آرائهم واتخاذها منحى جديدا.
وقريب من هذا المعنى ما ذهب إليه عبد القادر البغدادي، في كتابه «الفرق بين الفرق»: «إن الحسن البصري لما طرد واصلا من مجلسه واعتزل عند سارية من سواري مسجد البصرة وانضم إليه صديقه عمرو بن عبيد، قال الناس يومئذ فيهما: «إنهما اعتزلا قول الأمة» وسمي أتباعهما من يومئذ بالمعتزلة».
ونحو من هذا ما جاء في كتاب الأنساب للسمعاني إذ قال: «المعتزلي نسبة إلى الاعتزال وهو الاجتناب، والجماعة المعروفة بهذه العقيدة إنما سموا بهذا الاسم؛ لأن أبا عثمان عمرو بن عبيد أحدث ما أحدث من البدع، واعتزل مجلس الحسن البصري وجماعة معه فسموا المعتزلة»