هل أتى على الإنسان حين من الدهر لم يكن شيئا مذكورا ، ثم قال:
إنا هديناه السبيل إما شاكرا وإما كفورا ، ثم سكتا؛ فقال عمر: اقرآ، فقرآ حتى بلغا
إن هذه تذكرة فمن شاء اتخذ إلى ربه سبيلا * وما تشاءون إلا أن يشاء الله ...
إلى آخر السورة؛ قال عمر: كيف تريان؟ تأخذان الفروع وتدعان الأصول! قال ابن مهاجر: ثم بلغ عمر أنهما أسرفا فأرسل إليهما وهو مغضب، فقام عمر وكنت خلفه قائما حتى دخلا عليه وأنا مستقبلهما، فقال لهما: ألم يكن في سابق علم الله حين أمر الله إبليس بالسجود ألا يسجد؟ قال: فأومأت إليهما برأسي أن قولا نعم وإلا فهو الذبح، فقالا: نعم، فقال: أولم يكن في سابق علم الله حين نهى آدم وحواء عن الشجرة أن يأكلا منها فألهمهما أن يأكلا منها؟ فأومأت إليهما برأسي، فقالا: نعم، فأمر بإخراجهما، وأمر بالكتاب إلى سائر الأعمال بخلاف ما يقولان، وأمسكا عن الكلام، فلم يلبثا إلا يسيرا حتى مرض عمر ومات ولم يفد الكتاب، وسال بعد ذلك منهما السيل».
فترى من هذا انتشار القول في القضاء والقدر في هذا العصر وشدة الجدل في هذا الأمر بين المتخاصمين، وقد اختلف الباحثون في منبع هذه الحركة: هل هو العراق أو الشام؟ فيذهب بعضهم إلى أن العراق منبع ذلك، بدليل أن هذه الحركة تكونت حول الحسن البصري وهو يسكن البصرة، وأن منشأ الاعتزال كذلك كان فيها، ويؤيد ذلك ما رواه ابن نباتة من أن منشأ القول في ذلك نصراني من العراق أسلم وأخذ عنه معبد وغيلان؛ ويذهب آخرون إلى أن الحركة ظهرت في دمشق متأثرة بمن كان يخدم من النصارى في بيت الخلفاء كيحيى الدمشقي، وعلى كل حال فإنا نرى أن القول في القضاء والقدر سال سيله في العراق والشام في هذا العصر، ومن العسير تعيين أسبقهما، وقد قال «ابن تيمية»: «إن أكثر الخوض في القدر كان بالبصرة والشام وبعضه في المدينة».
وعلى العكس من هؤلاء القدرية طائفة الجبرية، وكان من أولهم جهم بن صفوان - ولذلك تسمى هذه الفرقة الجهمية - وكان يقول: إن الإنسان مجبور لا اختيار له ولا قدرة، وإنه لا يستطيع أن يعمل غير ما عمل، وإن الله قدر عليه أعمالا لا بد أن تصدر منه، وإن الله يخلق فيه الأفعال كما يخلق في الجماد، فكما يجري الماء ويتحرك الهواء ويسقط الحجر، فكذلك تصدر الأفعال عن الإنسان يصدرها الله فيه وتنسب إلى الإنسان مجازا كما تنسب إلى الجمادات، فكما يقال أثمرت الشجرة وجرى الماء وطلعت الشمس وأمطرت السماء وأنبتت الأرض، كذلك يقال: كتب محمد، وقضى القاضي، وأطاع فلان، وعصى فلان، كلها من نوع واحد على طريق المجاز، والثواب والعقاب جبر، كما أن الأفعال جبر، والله قدر لفلان فعل كذا وقدر له أن يثاب، وقدر على الآخر المعصية وقدر أن يعاقب.
واشتهر بهذا القول جهم بن صفوان، وهو من أهل خراسان، من الموالي، وأقام بالكوفة، وكان فصيحا خطيبا يدعو الناس فيجذبهم إلى قوله، ظهر مذهبه في ترمذ، وكان كاتبا «وزيرا» للحارث بن سريح، وقد خرج الحارث هذا على بني أمية في خراسان، واتبعه كثير من أهلها، وكان يدعو إلى العمل بكتاب الله وسنة رسوله واستعمال أهل الخير والفضل، وقد هزم الحارث وأسر جهم بن صفوان فقتل، ثم قتل الحارث سنة 128ه؛ ومن هذا ترى أن الجهم أيضا قتل لأمر سياسي لا علاقة له بالدين.
ولم يشتهر الجهم بمسألة الجبر فحسب، بل تعرض لشيء آخر لا يقل عنه خطرا، وهو القول بنفي صفات الله، ذلك أنه وردت في القرآن آيات كثيرة تدل على أن لله صفات من سمع وبصر وكلام ... إلخ، فنفى جهم أن يكون لله صفات غير ذاته، وقال: إن ما ورد في القرآن مثل سميع وبصير ليس على ظاهره، بل هو مؤول؛ لأن ظاهره يدل على التشبيه بالمخلوق وهو مستحيل على الله، فيجب تأويل ذلك، وقال: لا يصح وصف الله بصفة يوصف بها خلقه؛ لأن ذلك يقتضي التشبيه، وقال: إن القرآن مخلوق خلقه الله، وكان ذلك نتيجة طبيعية لنفيه الصفات، فإذا كان الله لا يتكلم فليس القرآن كلام الله القديم إلا على التأويل، وإنما خلقه الله، وأنكر أن الله يرى يوم القيامة، وقال: «إن الجنة والنار تفنيان بعد دخول أهلها فيهما، وتلذذ أهل الجنة بنعيمها، وتألم أهل النار بجحيمها؛ إذ لا يتصور حركات لا تتناهى آخرا، كما لا تتصور حركات لا تتناهى أولا».