تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

وقد وردت آيات في القرآن قد تشعر بالجبر مثل:

ختم الله على قلوبهم وعلى سمعهم وعلى أبصارهم غشاوة ولهم عذاب عظيم ،

ولا ينفعكم نصحي إن أردت أن أنصح لكم إن كان الله يريد أن يغويكم هو ربكم وإليه ترجعون ،

أفمن حق عليه كلمة العذاب أفأنت تنقذ من في النار ،

ولقد بعثنا في كل أمة رسولا أن اعبدوا الله واجتنبوا الطاغوت فمنهم من هدى الله ومنهم من حقت عليه الضلالة ، وهناك آيات تشعر بالاختيار وأن الإنسان مسئول عن عمله

إنا هديناه السبيل إما شاكرا وإما كفورا ،

وأن هذا صراطي مستقيما فاتبعوه ولا تتبعوا السبل فتفرق بكم عن سبيله ذلكم وصاكم به لعلكم تتقون ،

فمن شاء فليؤمن ومن شاء فليكفر ،

ومن يعمل سوءا أو يظلم نفسه ثم يستغفر الله يجد الله غفورا رحيما * ومن يكسب إثما فإنما يكسبه على نفسه وكان الله عليما حكيما ، إلى كثير من أمثال هذه الروايات؛ ووردت أحاديث كثيرة إن صحت تدل على تعرضه عليه السلام لمسألة القدر تصريحا أو تلميحا، فعن جابر قال رسول الله

صلى الله عليه وسلم : «لا يؤمن عبد حتى يؤمن بالقدر خيره وشره، وحتى يعلم أن ما أصابه لم يكن ليخطئه وما أخطأه لم يكن ليصيبه»، وعن علي قال: كنا في جنازة ببقيع الغرقد فأتانا رسول الله

صلى الله عليه وسلم ، فقعد وقعدنا حوله وبيده مخصرة فجعل ينكت بها الأرض ثم قال: ما منكم من أحد إلا وقد كتب مقعده من النار ومقعده من الجنة، فقالوا: يا رسول الله أفلا نتكل على كتابنا؟ فقال: اعملوا فكل ميسر لما خلق له؛ أما من كان من أهل السعادة فسيصير إلى عمل السعادة، وأما من كان من أهل الشقاء فسيصير على عمل الشقاء؛ ثم قرأ:

فأما من أعطى واتقى * وصدق بالحسنى * فسنيسره لليسرى .

فلما انتهى المسلمون من الفتح وهدأوا وأخذوا يفكرون ظهرت هذه المسألة، وكان قد تكلم فيها من قبل فلاسفة اليونان ونقلها عنهم السريانيون، وتكلم فيها الزردشتيون، كما بحث فيها النصارى، فظهر في الإسلام قوم يقولون بحرية الإرادة معارضين في ذلك الفكرة الشائعة بأن الإنسان مسير لا مخير، روي عن نافع قال: «جاء رجل إلى ابن عمر، فقال: إن فلانا يقرأ عليك السلام - لرجل من أهل الشام - فقال ابن عمر: إنه بلغني أنه قد أحدث التكذيب بالقدر، فإن كان قد أحدث فلا تقرأ مني عليه السلام»، وقد سمي هؤلاء الذين يقولون بأن الإنسان حر الإرادة، وبعبارة أخرى: أن الإنسان له قدرة على أعماله «بالقدرية»، وسماهم بذلك خصومهم لحديث ورد: «القدرية مجوس هذه الأمة»؛ وكان الذين يقولون بحرية الإرادة يرون أن أولى الناس بأن يطلق عليه اسم القدرية هم الذين يقولون بأن القدر يحكم جميع أعمال الإنسان من خير وشر، وعلى كل حال فقد لصق الاسم بالطائفة الأولى وصار لقبا لها.

وقد ذكروا أن من أسبق الناس قولا بالقدر معبد الجهني، وغيلان الدمشقي، أما معبد فقد قال عنه الذهبي في ميزان الاعتدال: «إنه تابعي صدوق، لكنه سن سنة سيئة فكان أول من تكلم في القدر، قتله الحجاج صبرا لخروجه مع ابن الأشعث»، فترى من هذا أن قتله كان قتلا سياسيا، وإن كان كثير يذكرون أنه قتله لزندقته، وكان يجالس الحسن البصري أولا وقد سلك سبيله كثير من أهل البصرة، وقال ابن نباتة في «سرح العيون»: «قيل: إن أول من تكلم في القدر رجل من أهل العراق كان نصرانيا فأسلم ثم تنصر، وأخذ عنه معبد الجهني وغيلان الدمشقي»، وأما غيلان الدمشقي فكان يسكن دمشق، وأبوه كان مولى لعثمان بن عفان، قال الأوزاعي: «قدم علينا غيلان القدري في خلافة هشام بن عبد الملك، فتكلم غيلان وكان رجلا مفوها، ثم أكثر الناس الوقيعة فيه والسعاية بسبب رأيه في القدر، وأحفظوا هشام بن عبد الملك عليه، فأمر بقطع يديه ورجليه وقتله وصلبه».

وقد روي أن غيلان وقف يوما على ربيعة «الرأي»، فقال له: أنت الذي تزعم أن الله يحب أن يعصى؟ فقال له ربيعة: أنت الذي تزعم أن الله يعصى قسرا؟! وحكي «أن عمر بن عبد العزيز بلغه أن غيلان وفلانا نطقا في القدر فأرسل إليهما وقال: ما الأمر الذي تنطقان به؟ فقالا: هو ما قال الله يا أمير المؤمنين، قال: وما قال الله؟ قالا: قال:

فجر الإسلام · الصفحة ١٣٤

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

فجر الإسلامص ١٣٤