وقد لاحظ بعض المستشرقين أن الكلام على طائفة المرجئة وبدء تكونها وشرح عقائدها أحيط بشيء من الغموض، وعلل ذلك بأن الدولة العباسية دمرت هذه الطائفة، وأماتت القول بهذه العقيدة؛ لأنها تناصر الأمويين إلى حد ما، وعلى كل حال فهذه الفرقة تدخلت بعد العصر الأموي في الفرقة الأخرى وذابت فيها ولم يعد لها وجود مستقل محسوس.
وقد اشتهر من شعراء بني أمية بالقول بالإرجاء ثابت قطنة ، وكان في صحابة يزيد بن المهلب يوليه أعمالا من أعمال الثغور فيحمد فيها مكانه لكتابته وشجاعته، وله قصيدة في الإرجاء تعد وثيقة قيمة في توضيح مذهبهم، رواها أبو الفرج في الأغاني، منها:
يا هند فاستمعي لي إن سيرتنا
أن نعبد الله لم نشرك به أحدا
نرجي الأمور إذا كانت مشبهة
ونصدق القول فيمن جار أو عندا
المسلمون على الإسلام كلهمو
والمشركون استووا في دينهم قددا
ولا أرى أن ذنبا بالغ أحدا
م الناس شركا إذا ما وحدوا الصمدا
لا نسفك الدم إلا أن يراد بنا
سفك الدماء طريقا واحدا جددا
من يتق الله في الدنيا فإن له
أجر التقي إذا وفى الحساب غدا
وما قضى الله من أمر فليس له
رد وما يقض من شيء يكن رشدا
كل الخوارج مخط في مقالته
ولو تعبد فيما قال واجتهدا
أما علي وعثمان فإنهما
عبدان لم يشركا بالله مذ عبدا
وكان بينهما شغب وقد شهدا
شق العصا وبعين الله ما شهدا
يجزي عليا وعثمانا بسعيهما
ولست أدري بحق أية وردا
الله يعلم ماذا يحضران به
وكل عبد سيلقى الله منفردا
ونحن إذا حللنا قصيدته لنتبين منها معنى الإرجاء وجدناه يقول: إنه لا يحكم على أحد من المسلمين بالكفر مهما أذنب، وإن الذنب مهما عظم لا يذهب بالإيمان، وإنه لا يسفك دم أحد من المسلمين إلا دفاعا عن نفسه، وإنه إذا اشتبهت الأمور وكفرت كل طائفة أختها فيما فعلت أرجأنا أمرهم جميعا إلى الله يحكم بينهم يوم القيامة فيما كانوا فيه يختلفون؛ أما الجور البين والعناد الواضح والأعمال الظاهرة فنصدر أحكامنا عليها في صراحة، ونبين الخطأ فيها من الصواب؛ وإن الخوارج أخطئوا إذ حكموا على علي وعثمان بالكفر، فإنهما عبدان لله لم يشركا به منذ عرفاه، ولكن كان بينهما شغب لم يخرج بهما عن الإيمان، فنترك أمرهما لله يقدر عملهما ويكافئ عليه.
وقد ذكر الأغاني أن عون بن عبد الله بن علقبة بن مسعود كان من أهل الفقه والأدب، وكان يقول بالإرجاء، ثم رجع عنه وقال:
فأول ما أفارق غير شك
أفارق ما يقول المرجئونا
وقالوا مؤمن من آل جور
وليس المؤمنون بجائرينا
وقالوا مؤمن دمه حلال
وقد حرمت دماء المؤمنينا
3
الفصل الحادي والعشرون
| القدرية أو المعتزلة
يدلنا تاريخ الفكر البشري على أن من أولى المسائل التي تعرض للعقل عندما يبدأ التعمق في البحث مسألة الجبر والاختيار: هل إرادتنا حرة تعمل ما تشاء وتترك ما تشاء، وتشكل عملها كما تشاء، أو أنا مجبرون على عمل ما نعمل فلا نستطيع أن نعمل غيره، وأن إرادتنا معلولة بعلل، فإذا حصلت العلل حصل المعلول لا محالة؟ وهي مسألة شغلت الفلاسفة ورجال الدين جميعا في العصور المختلفة، تعترضك في الأخلاق وفي القانون، وفي فلسفة التاريخ، وفي علم الكلام، وفي الفلسفة على العموم، وقد نشأت الأبحاث الدينية في هذا الموضوع لما نظر الإنسان فرأى أنه - من ناحية - يشعر بأنه حر الإرادة يعمل ما يشاء، وأنه مسئول عن عمله، وهذه المسئولية تقتضي الحرية، فلا معنى لأن يعذب ويثاب إذا كان كالريشة في مهب الريح لا بد أن تتحرك بحركته وتسكن بسكونه؛ ومن ناحية أخرى رأى أن الله عالم بكل شيء، أحاط علمه بما كان وما سيكون، فعلم ما سيصدر من كل فرد من خير أو شر، وظن أن هذا يستلزم حتما أنه لا يستطيع أن يعمل إلا على وفق ما علم الله، فحار في ذلك بين الجبر والاختيار، وأخذ يفكر: هل هو مجبر أو مختار.