نشأت المرجئة لما رأت الخوارج يكفرون عليا وعثمان والقائلين بالتحكيم، ورأت من الشيعة من يكفر أبا بكر وعمر وعثمان ومن ناصروهم وكلاهما يكفر الأمويين، ويلعنهم، والأمويون يقاتلونهم ويرون أنهم مبطلون، وكل طائفة تدعي أنها على الحق وأنها وحدها على الحق، وأن من عداها كافر وفي ضلال مبين، فظهرت المرجئة تسالم الجميع، ولا تكفر طائفة منهم، وتقول: إن الفرق الثلاث: الخوارج والشيعة والأمويين مؤمنون، وبعضهم مخطئ وبعضهم مصيب، ولسنا نستطيع أن نعين المصيب، فلنترك أمرهم جميعا إلى الله، ومن هؤلاء بنو أمية: فهم يشهدون أن لا إله إلا الله وأن محمدا رسول الله، فليسوا إذن كفارا ولا مشركين، بل مسلمين نرجئ أمرهم إلى الله الذي يعرف سرائر الناس ويحاسبهم عليها، وينتج من هذا أن موقفهم إزاء حكم الأمويين موقف تأييد، ولكنه تأييد سلبي لا إيجابي، فليسوا ينحازون إليهم ويحملون سيوفهم يقاتلون في جيوشهم، ولكن هم إزاء الأمويين مثلهم إزاء الشيعة والخوارج، وهم - على ما يظهر - يرون حكومة الأمويين حكومة شرعية، وكفى ذلك تأييدا.
ونواة هذه الطائفة كانت بين الصحابة في الصدر الأول، فإنا نرى أن جماعة من أصحاب رسول الله امتنعوا أن يدخلوا في النزاع الذي كان في آخر عهد عثمان مثل أبي بكرة، وعبد الله بن عمر، وعمران بن الحصين، وروى أبو بكرة أن رسول الله
صلى الله عليه وسلم
قال: «ستكون فتن، القاعد فيها خير من الماشي، والماشي فيها خير من الساعي إليها، ألا فإذا نزلت أو وقعت، فمن كان له إبل فليلحق بإبله، ومن كان له غنم فليلحق بغنمه، ومن كان له أرض فليلحق بأرضه، قال: فقال رجل يا رسول الله من لم تكن له إبل ولا غنم ولا أرض؟ قال: يعمد إلى سيفه فيدق على حده بحجر، ثم لينج إن استطاع النجاة».
هذه النزعة إلى عدم الدخول في الحروب التي بين المسلمين بعضهم وبعض هي الأساس الذي بني عليه مذهب الإرجاء
1 ، ولكنه لم يتكون كمذهب - كما رأينا - إلا بعد ظهور الخوارج والشيعة.
وبعد أن كان مذهبا سياسيا أصبح بعد يبحث في أمور لاهوتية وكانت نتيجة بحثهم تتفق ورأيهم السياسي ، فأهم ما بحثوا فيه تحديد «الإيمان» و«الكفر» و«المؤمن» و«الكافر»، وقد دعا إلى هذا البحث أنهم رأوا الخوارج يكفرون من عداهم والشيعة كذلك، غلا الخوارج فعدوا كل كبيرة كفرا، وغلت الشيعة فعدوا الاعتقاد بالإمام ركنا أساسيا من أركان الإيمان، فكانت النتيجة الطبيعية أن يعرض على بساط البحث: ما الكفر وما الإيمان؟ فرأى كثير من المرجئة أن الإيمان هو المعرفة بالله وبرسله، فمن عرف أن لا إله إلا الله محمدا رسول الله فهو مؤمن، وهذا رد من المرجئة على الخوارج الذين يقولون إن الإيمان معرفة بالله وبرسله، والإتيان بالفرائض، والكف عن الكبائر؛ فمن آمن بالله ورسله وترك الفرائض وارتكب شيئا من الكبائر كان مؤمنا عند المرجئة؛ كافرا في نظر الخوارج، ورد أيضا على الشيعة الذين يعتقدون أن الإيمان بالإمام والطاعة له جزء من الإيمان؛ بل غلا بعض المرجئة أكثر من ذلك فقالوا: «إن الإيمان الاعتقاد بالقلب وإن أعلن الكفر بلسانه، وعبد الأوثان أو لزم اليهودية والنصرانية في دار الإسلام، وعبد الصليب وأعلن التثليث في دار الإسلام، ومات على ذلك فهو مؤمن كامل الإيمان عن الله عز وجل، ولي لله عز وجل، من أهل الجنة»
2 ، فترى من هذا أن هؤلاء لا يعدون إيمانا إلا الاعتقاد القلبي بالله ورسله؛ وليست الأعمال الظاهرة جزءا من الإيمان.
ولهذا الكلام كله نتيجة تتفق ورأيهم السياسي، فهم لا يحكمون بالكفر على الأمويين ولا على الخوارج والشيعة، بل لا يجزمون بكفر الأخطل ونحوه من النصارى واليهود؛ لأن الإيمان محله القلب، وليس يطلع عليه إلا الله، وذلك يدعو إلى مسالمة الناس جميعا.