تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

12 .

وقد ذهب الأستاذ «ولهوسن (Wellhausin)

إلى أن العقيدة الشيعية نبعت من اليهودية أكثر مما نبعت من الفارسية، مستدلا بأن مؤسسها عبد الله بن سبأ وهو يهودي، ويميل الأستاذ «دوزي

Dozy » إلى «أن أساسها فارسي، فالعرب تدين بالحرية، والفرس يدينون بالملك، وبالوراثة في البيت المالك، ولا يعرفون معنى لانتخاب الخليفة، وقد مات محمد ولم يترك ولدا فأولى الناس بعده ابن عمه علي بن أبي طالب، فمن أخذ الخلافة منه كأبي بكر وعمر وعثمان والأمويين، فقد اغتصبها من مستحقها، وقد اعتاد الفرس أن ينظروا إلى الملك نظرة فيها معنى إلهي، فنظروا هذا النظر نفسه إلى علي وذريته وقالوا: إن طاعة الإمام أول واجب وإن إطاعته إطاعة لله».

والذي أرى - كما يدلنا التاريخ - أن التشيع لعلي بدأ قبل دخول الفرس في الإسلام، ولكن بمعنى ساذج، وهو أن عليا أولى من غيره من وجهتين، كفايته الشخصية، وقرابته للنبي، والعرب من قديم تفخر بالرياسة وبيت الرياسة، وهذا الحزب - كما رأينا - وجد من بعد وفاة النبي

صلى الله عليه وسلم

ونما بمرور الزمان وبالمطاعن في عثمان، ولكن هذا التشيع أخذ صبغة جديدة بدخول العناصر الأخرى في الإسلام من يهودية ونصرانية ومجوسية، وأن كل قوم من هؤلاء كانوا يصبغون التشيع بصبغة دينهم، فاليهود تصبغ الشيعة يهودية، والنصارى نصرانية؛ وهكذا، وإذ كان أكبر عنصر دخل في الإسلام هو العنصر الفارسي كان أكبر الأثر في التشيع إنما هو للفرس. •••

ومن أشهر الأدباء والشعراء المتشيعين في هذا العصر أبو الأسود الدؤلي، وفي علي وبنيه يقول:

يقول الأرذلون بنو قشير

طوال الدهر لا تنسى عليا

بنو عم النبي وأقربوه

أحب الناس كلهموا إليا

أحبهموا كحب الله حتى

أجيء إذا بعثت على هويا

فإن يك حبهم رشدا أصبه

ولست بمخطئ إن كان غيا

وكذلك كان كثير عزة، وقد قرأت قبل شعره في الرجعة، والكميت وكان شيعيا غاليا، ومن شعره في الخلافة:

يقولون لم يورث، ولولا تراثه

لقد شركت فيه بجيل وأرحب

13

ولانتشلت عضوين منها يجابر

وكان لعبد القيس عضو مؤرب

فإن هي لم تصلح لحي سواهمو

إذا فذوو القربى أحق وأقرب

فيا لك أمرا قد أشتت جموعه

ودارا ترى أسبابها تتقضب

تبدلت الأشرار بعد خيارها

وجد بها من أمة وهي تلعب

الفصل العشرون

| المرجئة

رأينا قبل أن الشيعة والخوارج كانا أول أمرهما حزبين سياسيين تكونا حول الخلافة، وأن رأي الخوارج فيها رأي ديمقراطي، ورأي الشيعة رأي ثيوقراطي، أما المرجئة فكانت كذلك أول أمرها، أعني حزبا سياسيا محايدا، له رأي فيما شجر بين المسلمين من خلاف؛ يروي ابن عساكر في توضيح رأيهم «أنهم هم الشكاك الذين شكوا وكانوا في المغازي، فلما قدموا المدينة بعد قتل عثمان، وكان عهدهم بالناس وأمرهم واحد ليس بينهم اختلاف، قالوا: تركناكم وأمركم واحد، ليس بينكم اختلاف، وقدمنا عليكم وأنتم مختلفون، فبعضكم يقول قتل عثمان مظلوما، وكان أولى بالعدل أصحابه، وبعضكم يقول: كان علي أولى بالحق وأصابه، كلهم ثقة وعندنا مصدق، فنحن لا نتبرأ منهما ولا نلعنهما، ولا نشهد عليهما، ونرجئ أمرهما إلى الله حتى يكون الله هو الذي يحكم بينهما».

فترى من هذا أنه حزب سياسي لا يريد أن يغمس يده في الفتن، ولا يريق دماء حزب، بل ولا يحكم بتخطئة فريق وتصويب آخر، وأن السبب المباشر في تكوينه هو اختلاف الأحزاب في الرأي، والسبب البعيد هو الخلافة، فلولا الخلافة ما كانت خوارج ولا شيعة، وإذن لا يكون مرجئة.

وكلمة المرجئة مأخوذة من أرجأ بمعنى أمهل وأخر، سموا المرجئة؛ لأنهم يرجئون أمر هؤلاء المختلفين الذين سفكوا الدماء إلى يوم القيامة، فلا يقضون بحكم على هؤلاء ولا على هؤلاء؛ وبعضهم يشتق اسمهم من أرجأ بمعنى بعث الرجاء؛ لأنهم كانوا يقولون: لا تضر مع الإيمان معصية كما لا تنفع مع الكفر طاعة، فهم يؤملون كل مؤمن عاص، والأول أنسب لما حكينا عن ابن عساكر.

فجر الإسلام · الصفحة ١٣١

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

فجر الإسلامص ١٣١