هذه الاضطهادات كان من نتائجها إحكام الشيعة للسرية ونظامها، فهم أقدر الفرق الإسلامية على العمل في الخفاء، وكتمان عملهم حتى يتمكنوا من عدوهم، وهذه السرية استلزمت الخداع والالتجاء إلى الرموز والتأويل ونحو ذلك؛ وكان من أثر هذا الاضطهاد أيضا اصطباغ أدبهم بالحزن العميق، والنوح والبكاء، وذكرى المصائب والآلام.
وقد حاربوا الأمويين بمثل ما حوربوا به، فكما وضع الأمويون الحديث في فضائل الصحابة - عدا عليا والهاشميين - وخاصة عثمان، وضع الشيعة أحاديث كثيرة في فضائل علي وفي المهدي المنتظر، وعلى الجملة فيما يؤيد مذهبهم، وربما فاقوا في ذلك الأمويين؛ فاشتغل بعض علمائهم بعلم الحديث وسمعوا الثقات وحفظوا الأسانيد الصحيحة، ثم وضعوا بهذه الأسانيد أحاديث تتفق ومذهبهم، وأضلوا بهذه الأحاديث كثيرا من العلماء لأنخداعهم بالإسناد، بل كان منهم من سمي بالسدي، ومنهم من سمي بابن قتيبة، فكانوا يروون عن السدي وابن قتيبة، فيظن أهل السنة أنهما المحدثان الشهيران، مع أن كلا من السدي وابن قتيبة الذي ينقل عنه الشيعة إنما هو رافضي غال، وقد ميزوا بينهما بالسدي الكبير والسدي الصغير، والأول ثقة والثاني شيعي وضاع، وكذلك ابن قتيبة الشيعي غير عبد الله بن مسلم بن قتيبة، بل وضعوا الكتب وحشوها بتعاليمهم ونسبوها لأئمة أهل السنة، ككتاب «سر العارفين» الذي نسبوه للغزالي؛ ومن هذا القبيل ما نراه مبثوثا في الكتب من إسناد كل فضل وكل علم إلى علي بن أبي طالب إما مباشرة وإما بواسطة ذريته: فعلم المعتزلة جاء من أن واصل بن عطاء - رأس المعتزلة - تلقى العلم عن أبي هاشم عبد الله بن محمد بن الحنفية، وأبو هاشم تلميذ أبيه، وأبوه تلميذ علي، وأبو حنيفة أخذ العلم عن جعفر الصادق، ومالك بن أنس قرأ على ربيعة الرأي، وقرأ ربيعة على عكرمة، وعكرمة على عبد الله بن عباس، وعبد الله قرأ على علي، وبهذه الطريقة ينسب فقه الشافعي إلى الإمام علي؛ لأنه تلميذ مالك، بل فقه عمر بن الخطاب يرجع إلى علي؛ لأنه كان يرجع إليه فيما أشكل من المسائل وكان يقول: لولا علي لهلك عمر! وتفسير القرآن أخذ أكثره عن عبد الله بن عباس وهو أخذه عن علي؛ فقد قيل لابن عباس: أين علمك من علم ابن عمك؟ فقال: كنسبة قطرة من المطر إلى البحر المحيط؛ والتصوف منسوب إليه، وقد نسبه إليه الشبلي والجنيد وسري وأبو يزيد البسطامي، وينسبون الخرقة التي هي شعارهم إليه؛ وأبو الأسود الدؤلي واضع علم النحو أخذه عن علي بن أبي طالب، فقد أملى عليه: الكلام كله ثلاثة أشياء: اسم وفعل وحرف، وعلمه تقسيم الاسم إلى معرفة ونكرة، وتقسيم الإعراب إلى الرفع والنصب والجر والجزم؛ وعلى الجملة فليس هناك من علم إلا وأصله علي بن أبي طالب، كأن العقول كلها أجدبت وأصيبت بالعقم إلا علي بن أبي طالب وذريته، وعلي (رضي الله عنه) من ذلك براء.
والحق أن التشيع كان مأوى يلجأ إليه كل من أراد هدم الإسلام لعداوة أو حقد، ومن كان يريد إدخال تعاليم آبائه من يهودية ونصرانية وزردشتية وهندية، ومن كان يريد استقلال بلاده والخروج على مملكته، كل هؤلاء كانوا يتخذون حب أهل البيت ستارا يضعون وراءه كل ما شاءت أهواؤهم؛ فاليهودية ظهرت في التشيع بالقول بالرجعة، وقال الشيعة: إن النار محرمة على الشيعي إلا قليلا، كما قال اليهود:
لن تمسنا النار إلا أياما معدودات ؛ والنصرانية ظهرت في التشيع في قول بعضهم: إن نسبة الإمام علي إلى الله كنسبة المسيح إليه، وقالوا: إن اللاهوت اتحد بالناسوت في الإمام وإن النبوة والرسالة لا تنقطع أبدا، فمن اتحد به اللاهوت فهو نبي، وتحت التشيع ظهر القول بتناسخ الأرواح وتجسيم الله والحلول، ونحو ذلك من الأقوال التي كانت معروفة عند البراهمة والفلاسفة والمجوس من قبل الإسلام؛ وتستر بعض الفرس بالتشيع وحاربوا الدولة الأموية، وما في نفوسهم إلا الكره للعرب ودولتهم، والسعي لاستقلالهم، قال المقريزي: «واعلم أن السبب في خروج أكثر الطوائف عن ديانة الإسلام، أن الفرس كانت سعة الملك وعلو اليد على جميع الأمم وجلالة الخطر في أنفسها بحيث إنهم كانوا يسمون أنفسهم الأحرار والأسياد، وكانوا يعدون سائر الناس عبيدا لهم، فلما امتحنوا بزوال الدولة عنهم على أيدي العرب، وكان العرب عند الفرس أقل الأمم خطرا، تعاظمهم الأمر، وتضاعفت لديهم المصيبة، وراموا كيد الإسلام بالمحاربة في أوقات شتى، وفي كل ذلك يظهر الله الحق ... فرأوا أن كيده على الحيلة أنجح، فأظهر قوم منهم الإسلام واستمالوا أهل التشيع بإظهار محبة أهل البيت واستبشاع ظلم علي، ثم سلكوا بهم مسالك شتى حتى أخرجوهم عن طريق الهدى»