تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

فمن أشهر فرقهم

10

الاثنا عشرية، سموا كذلك؛ لأنهم يسلسلون أئمتهم إلى اثني عشر إماما، عقيدتهم هي العقيدة الرسمية لدولة إيران إلى اليوم، و«الإسماعيلية» سميت كذلك؛ لأنهم يقفون بأئمتهم عند إسماعيل بن جعفر الصادق، وهؤلاء لعبوا دورا طويلا في تاريخ الإسلام، وأخذوا مذهب الأفلاطونية الحديثة الذي شرحناه قبل وطبقوه على مذهبهم الشيعي تطبيقا غريبا، واستخدموا ما نقله إخوان الصفا في رسائلهم من هذا المذهب الأفلاطوني، ويقول بعض المؤرخين: إنهم وضعوا لهم تعاليم درجوها تسع درجات تبتدئ بإثارة الشكوك في الإسلام، كسؤالهم: ما معنى رمي الجمار؟ وما العدو بين الصفا والمرة؛ وتنتهي بهدم الإسلام والتحلل من قيوده؛ وأولوا كل ما فيه فقالوا: إن الوحي ليس إلا صفاء النفس، وإن الشعائر الدينية ليست إلا للعامة، أما الخاصة فلا يلزمهم العمل بها، وإن الأنبياء سواس العامة، أما الخاصة فأنبياؤهم الفلاسفة؛ وليس هناك معنى للتمسك بحرفية القرآن، فهو رموز لأشياء يعرفها العارفون، إنما يجب أن يفهم القرآن على طريقة التأويل والمجاز، وللقرآن ظاهر وباطن، ويجب أن تخترق الحجب المادية حتى نصل إلى أطهر ما يمكن من الروحانية؛ ومن ثم أيضا سموا «الباطنية»، ولا يسعنا هنا أن ذكر أهم تعاليمهم وكيف أخذت من الأفلاطونية الحديثة، فإن هذه الفرقة لم تظهر في عصرنا الذي نؤرخه إنما ظهرت في الدولة العباسية، وكان من آثار دعايتهم الدولة الفاطمية في المغرب ومصر، ولا يزال لهم بقايا إلى اليوم في الشام والعجم والهند، ورئيسهم الآن «أغا خان» الزعيم المشهور.

والإمامية - على العموم - تقول بعودة إمام منتظر وإن اختلفوا - باختلاف طوائفهم - فيمن هو الإمام المنتظر، ففرقة ينتظرون جعفرا الصادق، وأخرى تنتظر محمد بن عبد الله بن الحسن بن الحسين بن علي بن أبي طالب، وثالثة تنتظر محمد بن الحنفية وتزعم أنه حي لم يمت، وأنه بجبل رضوى إلى أن يأذن الله له بالخروج، ومنه كثير عزة وفي ذلك يقول:

ألا إن الأئمة من قريش

ولاة الحق أربعة سواء

علي والثلاثة من بنيه

هم الأسباط ليس بهم خفاء

فسبط سبط إيمان وبر

وسبط غيبته كربلاء

وسبط لا يذوق الموت حتى

يقود الخيل يقدمها اللواء

تغيب لا يرى فيهم زمانا

برضوى عنده عسل وماء

وكان السيد الحميري الشاعر الأموي المشهور يعتقد كذلك أن محمد بن الحنفية لم يمت وأنه في جبل رضوى، بين أسد ونمر يحفظانه، وعنده عينان نضاختان تجريان بماء وعسل، ويعود بعد الغيبة فيملأ العالم عدلا كما ملئ جورا؛ ولهم في ذلك سخافات يطول شرحها، وأساس هذه العقيدة ما رأينا قبل من قول ابن سبأ بالرجعة ونقلها عن اليهودية، وأن الشيعيين فشلوا في أول أمرهم في تكوين مملكة ظاهرية على وجه الأرض، وعذبوا وشردوا كل مشرد، فخلقوا لهم أملا من الإمام المنتظر، والمهدي، ونحو ذلك. •••

وقد اتفقت تعاليم الخوارج والشيعة على أن خلفاء بني أمية مغتصبون ظالمون، فاشتركوا في مناهضتهم، ولكن الخوارج كانوا ظاهرين في حروبهم، غلبت عليهم الطبيعة البدوية في الصراحة، فأكثرهم لا يقول بالتقية؛ أما الشيعة فكانوا يحاربون جهرا إذا أمكن الجهر، فإذا لم يستطيعوا فسرا، وقال أكثرهم بالتقية

11

فكانوا بهذا أشد على بني أمية، وهم أدعى إلى الحذر منهم، فبثوا العيون والأرصاد على الشيعة، واضطهدوهم اضطهادا شنيعا ، فدسوا للحسن حتى طعن بخنجر في جنبه ولكن لم يمته، وأوقعوا الفشل في جيشه حتى وادعهم، ثم قتلوا الحسين في واقعة كربلاء، ثم تتبعوا أهل البيت يستذلونهم ويمتهنونهم ويقتلونهم، ويقطعون أيديهم وأرجلهم على الظنة، وكل من عرف بالتشيع لهم سجنوه أو نهبوا ماله أو هدموا داره؛ واشتد بهم الأمر في أيام عبيد الله بن زياد قاتل الحسين، «وأتى بعده الحجاج فقتلهم كل قتلة، وأخذهم بكل ظنة وتهمة، حتى إن الرجل ليقال له زنديق أو كافر أحب إليه من أن يقال له شيعة علي»، حتى يروى أن رجلا - يقال إنه جد الأصمعي - وقف للحجاج فقال له: أيها الأمير، إن أهلي عقوني فسموني عليا، وإني فقير بائس، وأنا إلى صلة الأمير محتاج، فتضاحك له الحجاج وولاه عملا، ويقول المدائني: «إن زياد بن سمية كان يتتبع الشيعة في الكوفة وهو بهم عارف؛ لأنه كان منهم أيام علي، فقتلهم تحت كل حجر ومدر، وأخافهم وقطع الأيدي والأرجل، وسمل العيون، وصلبهم على جذوع النخل، وطردهم وشردهم عن العراق فلم يبق به معروف منهم، وكتب معاوية إلى عماله في جميع الآفاق ألا يجيزوا لأحد من شيعة علي وأهل بيته شهادة، وكتب إليهم أن انظروا من قبلكم من شيعة عثمان ومحبيه وأهل ولايته، والذين يروون فضائله ومناقبه فأدنوا مجالسهم، وقربوهم وأكرموهم، واكتبوا لي بكل ما يروي كل رجل منهم واسمه واسم أبيه وعشيرته، ففعلوا ذلك حتى أكثروا من فضائل عثمان ومناقبه، لما كان يبعثه إليهم معاوية من الصلات ... وقال إنه كتب إلى عماله أن «انظروا إلى من قامت عليه البينة أنه يحب عليا وأهل بيته فامحوه من الديوان، واسقطوا عطاءه ورزقه»، والعباسيون كانوا أبلغ في التنكيل بهم؛ لأنهم أعرف بخفاياهم، لما كانوا يعملون معهم في عهد بني أمية.

فجر الإسلام · الصفحة ١٢٩

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

فجر الإسلامص ١٢٩