8
هذه الأخبار وأمثالها انتشرت بين الشيعة حتى ليكادون يذكرون أنه أخبر بما كان وما سيكون إلى يوم الدين، كل هذا إذا أنت ضممته إلى أن أكثر شيعة علي كانوا في العراق، وكانوا من عناصر متنوعة، والعراق من قديم منبع الديانات المختلفة، والمذاهب الغريبة، وقد سادت فيهم من قبل تعاليم ماني ومزدك وابن ديصان، كما رأيت من قبل، ومنهم نصارى ويهود سمعوا المذاهب المختلفة في حلول الله في بعض الناس؛ كل هذه الأمور جعلت منهم من يؤله عليا، فأما العرب فكانوا أبعد الناس عن المقالات والمذاهب الدينية، حياتهم البسيطة، وعقليتهم التي على الفطرة تأبى عليهم أن يلصقوا بمحمد
صلى الله عليه وسلم
ألوهية، وهو الذي يكرر دائما ما جاء في القرآن:
إنما أنا بشر مثلكم يوحى إلي أنما إلهكم إله واحد .
هذه العقيدة في علي تناقض فكرة الإسلام البسيطة الجميلة في وحدانية الله وتنزهه عن المادة، ومن حسن الحظ أن ليست هذه المقالة في علي قول الشيعة جميعهم ولا أكثرهم، بل قول فرقة قليلة منهم هم الغلاة.
أساس نظرية الشيعة - كما رأيت - الخليفة أو كما يسمونه هم «الإمام» فعلي هو الإمام بعد محمد
صلى الله عليه وسلم ، ثم يتسلسل الأئمة بترتيب من عند الله، والاعتراف بالإمام والطاعة له جزء من الإيمان، والإمام في نظرهم ليس كما ينظر إليه أهل السنة، فعند أهل السنة الخليفة أو الإمام نائب عن صاحب الشريعة في حفظ الدين، فهو يحمل الناس على العمل بما أمر الله، وهو رئيس السلطة القضائية والإدارية والحربية، ولكن ليس لديه سلطة تشريعية، إلا تفسيرا لأمر أو اجتهادا فيما ليس فيه نص؛ أما عند الشيعة فللإمام معنى آخر هو أنه أكبر معلم؛ فالإمام الأول قد ورث علوم النبي
صلى الله عليه وسلم ، وهو ليس شخصا عاديا بل هو فوق الناس؛ لأنه معصوم من الخطأ.
وهناك نوعان من العلم: علم الظاهر وعلم الباطن، وقد علم النبي
صلى الله عليه وسلم
هذين النوعين لعلي، فكان يعلم باطن القرآن وظاهره، وأطلعه على أسرار الكون وخفايا المغيبات؛ وكل إمام ورث هذه الثروة العلمية لمن بعده، وكل إمام يعلم الناس في وقته ما يستطيعون فهمه من الأسرار، ولذلك كان الإمام أكبر معلم، ولا يؤمنون بالعلم ولا بالحديث إلا إذا روي عن هؤلاء الأئمة.
وهم مختلفون اختلافا كبيرا في الأئمة وتسلسلها، لا نطيل بذكرها
9 ، وأهم فرق الشيعة الزيدية، والإمامية. فالزيدية أتباع زيد بن حسن بن علي بن الحسين بن علي بن أبي طالب، ومذهبهم أعدل مذاهب الشيعة وأقربها إلى أهل السنة، ولعل هذا راجع إلى أن زيدا - إمام الزيدية - تتلمذ لواصل بن عطاء رأس المعتزلة، وأخذ عنه كثيرا من تعاليمه؛ فزيد يرى جواز إمامة المفضول مع وجود الأفضل، فقال: كان علي بن أبي طالب أفضل من أبي بكر وعمر، ولكن - مع هذا - إمامة أبي بكر وعمر صحيحة، ونظرهم إلى الإمام كذلك نظر معتدل، فليست هناك إمامة بالنص، ولم ينزل وحي يعين الأئمة، بل كل فاطمي عالم زاهد شجاع سخي قادر على القتال في سبيل الحق يخرج للمطالبة يصح أن يكون إماما؛ فهو يشترط في الإمام الخروج على الأمراء والسلاطين يطالب بالخلافة، ولهذا كانت الإمامة في نظرهم عملية لا سلبية، كما هي عند الإمامية تنتهي بالإمام المختفي، وهم لا يؤمنون بالخرافات التي ألصقت بالإمام فجعلت له جزءا إلهيا، وقد خرج زيد على هشام بن عبد الملك الخليفة الأموي فقتل وصلب سنة 121ه، وخرج بعده ابنه يحيى فقتل كذلك سنة 125ه، ولا يزال الزيدية في اليمن إلى الآن.
والإمامية سموا كذلك؛ لأن أهم عقائدهم أسست حول الإمام، وقد قالوا بأن محمدا
صلى الله عليه وسلم
نص على خلافة علي، وقد اغتصبها أبو بكر وعمر، وتبرءوا منهما، وقدحوا في إمامتهما، وجعلوا الاعتراف بالإمام جزءا من الإيمان، والإمامية فرق متعددة لا تتفق على أشخاص الأئمة.