صلى الله عليه وسلم ، إلا رتبة النبوة، وأعطيناه كل ما عدا ذلك من الفضل المشترك بينه وبينه، ولم نطعن في أكابر الصحابة الذين لم يصح عندنا أنه طعن فيهم، وعاملناهم بما عاملهم هو عليه السلام»
4 .
ودعاهم القول بأفضلية علي وعصمته إلى استعراض ما حدث من الصحابة في بيعة أبي بكر وعمر وعثمان، وكان من هؤلاء الشيعة الغالي والمقتصد؛ فمنهم من اقتصر على القول بأن أبا بكر وعمر وعثمان ومن شايعهم أخطئوا إذ رضوا أن يكونوا خلفاء مع علمهم بفضل علي وأنه خير منهم، ومنهم من تغالى فكفرهم وكفر من شايعهم؛ لأنهم - وقد أوصى النبي لعلي - جحدوا الوصية، ومنعوا الخلافة مستحقها، وانحدروا من ذلك إلى شرح حوادث التاريخ على وفق مذهبهم، وتأويل الوقائع تأويلا غريبا، أسوق لك مثلا منه: «فتزعم الشيعة أن رسول الله
صلى الله عليه وسلم
كان يعلم موته، وأنه سير أبا بكر وعمر في بعث أسامة لتخلو دار الهجرة منهما، فيصفو الأمر لعلي عليه السلام، ويبايعه من تخلف من المسلمين بالمدينة على سكون وطمأنينة، فإذا جاءهما الخبر بموت رسول الله
صلى الله عليه وسلم
وبيعة الناس لعلي بعده كان من المنازعة والخلافة أبعد ... فلم يتم ما قدر، وتثاقل أسامة بالجيش أياما مع شدة حث رسول الله
صلى الله عليه وسلم
على نفوذه»
5 .
ولم يكتف غلاة الشيعة بهذا القدر في علي، ولم يقنعوا بأنه أفضل الخلق بعد النبي، وأنه معصوم، بل ألهوه، فمنهم من قال: «حل في علي جزء إلهي، واتحد بجسده فيه، وبه كان يعلم الغيب، إذ أخبر عن الملاحم وصح الخبر، وبه كان يحارب الكفار وله النصرة والظفر، وبه قلع باب خيبر، وعن هذا قال: والله ما قلعت باب خيبر بقوة جسدانية، ولا بحركة غذائية، ولكن قلعته بقوة ملكوتية ... قالوا: يظهر علي في بعض الأزمان ... والرعد صوته والبرق تبسمه ... إلخ»
6
وهؤلاء الذين ألهوه ذهبوا في تأليهه جملة مذاهب، وقالوا فيه أقوالا غريبة لا داعي للإطالة بذكرها - وقد ذكروا أن أول من دعا إلى تأليه علي عبد الله بن سبأ اليهودي
7 ، وكان ذلك في حياة علي، وقد رأيت قبل طرفا من سيرة ابن سبأ هذا؛ فهو الذي حرك أبا ذر الغفاري للدعوة الاشتراكية، وهو الذي كان من أكبر من ألب الأمصار على عثمان، والآن أله عليا، والذي يؤخذ من تاريخه أنه وضع تعاليم لهدم الإسلام، وألف جمعية سرية لبث تعاليمه، واتخذ الإسلام ستارا يستر به نياته؛ نزل البصرة بعد أن أسلم ونشر فيها دعوته فطرده واليها، ثم أتى الكوفة فأخرج منها، ثم جاء مصر فالتف حوله ناس من أهلها، وأشهر تعاليمه الوصاية والرجعة؛ فأما الوصاية فقد أبناها قبل، وكان قوله فيها أساس تأليب أهل مصر على عثمان، بدعوى أن عثمان أخذ الخلافة من علي بغير حق، وأيد رأيه بما نسب إلى عثمان من مثالب، وأما الرجعة فقد بدأ قوله بأن محمدا يرجع، وكان مما قاله: «العجب ممن يصدق أن عيسى يرجع، ويكذب أن محمدا يرجع» ثم نراه تحول - ولا ندري لأي سبب - إلى القول بأن عليا يرجع، وقال ابن حزم: إن ابن سبأ قال لما قتل علي: «لو أتيتمونا بدماغه ألف مرة ما صدقنا موته، ولا يموت حتى يملأ الأرض عدلا كما ملئت جورا» وفكرة الرجعة هذه أخذها ابن سبأ من اليهودية، فعندهم أن النبي «إلياس» صعد إلى السماء، وسيعود فيعيد الدين والقانون، ووجدت الفكرة في النصرانية أيضا في عصورها الأولى، وتطورت هذه الفكرة عند الشيعة إلى العقيدة باختفاء الأئمة، وأن الإمام المختفي سيعود فيملأ الأرض عدلا، ومنها نبعت فكرة المهدي المنتظر.
والناظر إلى هذا يعجب للسبب الذي دعا إلى الاعتقاد بألوهية علي، مع أن أحدا لم يقل بألوهية محمد
صلى الله عليه وسلم ، والعلة في نظرنا أن شيعة علي رووا له من المعجزات والعلم بالمغيبات الشيء الكثير، وقالوا: إنه كان يعلم كل شيء سيكون، ووضعوا على لسانه ما جاء في نهج البلاغة: «اسألوني قبل أن تفقدوني، فوالذي نفسي بيده لا تسألونني عن شيء فيما بينكم وبين الساعة، ولا عن فئة تهدي مئة وتضل مئة إلا أنبأتكم بناعقها، وقائدها وسائقها ومناخ ركابها ومحط رحالها، ومن يقتل من أهلها قتلا، ومن يموت منهم موتا ... إلخ»، ورووا له أنه أخبر بقتل الحسين، وأخبر بكربلاء، وأخبر بالحجاج، وأخبر بالخوارج ومصيرهم، وبني أمية وملكهم، وأخبر ببني بويه وأيام دولتهم، وأخبر عبد الله بن عباس بانتقال الأمر إلى أولاده «فإنه لما ولد لعبد الله بن عباس ابنه علي أخرجه أبوه إلى علي بن أبي طالب فأخذه وتفل في فيه وحنكه بتمرة قد لاكها، ودفعه إليه وقال: خذ - إليك - أبا الأملاك»