صلى الله عليه وسلم
في وجعه الذي توفي فيه، فقال الناس: يا أبا الحسن! كيف أصبح رسول الله؟ فقال: أصبح بحمد الله بارئا، فأخذ بيده العباس (رضي الله عنه) وقال: أنت والله بعد ثلاث عبد العصا، وإني والله لأرى رسول الله
صلى الله عليه وسلم
سيتوفى من وجعه هذا، إني لأعرف وجوه بني عبد المطلب عند الموت، فاذهب بنا إليه نسأله فيمن هذا الأمر، فإن كان فينا علمناه، وإن كان في غيرنا كلمناه فأوصى بنا، فقال علي (رضي الله عنه): أما والله لئن سألناه فمنعناها لا يعطيناها الناس بعده، وإني والله لا أسألها.
وكان جمع من الصحابة يرى أن عليا أفضل من أبي بكر وعمر وغيرهما، وذكروا أن ممن كان يرى هذا الرأي عمارا، وأبا ذر، وسلمان الفارسي، وجابر بن عبد الله، والعباس وبنيه، وأبي بن كعب، وحذيفة، إلى كثير غيرهم.
ونرى بعد هذا العصر أن الفكرة تطورت فقال شيعة علي
2 : «إن الإمامة ليست من المصالح العامة التي تفوض إلى نظر الأمة، ويتعين القائم بتعيينهم، بل هي ركن الدين، وقاعدة الإسلام، ولا يجوز لنبي إغفالها، ولا تفويضها إلى الأمة، بل يجب عليه تعيين الإمام لهم، ويكون معصوما من الكبائر والصغائر، وإن عليا (رضي الله عنه) هو الذي عينه صلوات الله وسلامه عليه بنصوص ينقلونها ويؤولونها على مقتضى مذهبهم، لا يعرفها جهابذة السنة ولا نقلة الشريعة، بل أكثرها موضوع أو مطعون في طريقه، أو بعيد عن تأويلاتهم الفاسدة»
3 .
ومن هنا نشأت فكرة الوصية، ولقب علي بالوصي، يريدون أن النبي أوصى لعلي بالخلافة من بعده، فكان وصي رسول الله؛ فعلي ليس الإمام بطريق الانتخاب، بل بطريق النص من رسول الله، وعلي أوصى لمن بعده، وهكذا كل إمام وصي من قبله، وانتشرت كلمة الوصي بين الشيعة واستعملوها؛ يروون أن أبا الهيثم وكان بدريا يقول:
كنا شعار نبينا ودثاره
يفديه منا الروح والأبصار
إن الوصي إمامنا وولينا
برح الخفاء وباحت الأسرار
ويروون أن غلاما خرج من جيش عائشة في وقعة الجمل وهو يقول:
نحن بنو ضبة أعداء علي
ذاك الذي يعرف قدما بالوصي
وفارس الخيل على عهد النبي
ما أنا عن فضل علي بالعمي
لكنني أنعي ابن عفان التقي
إن الولي طالب ثأر الولي
وقد سقنا هذا لبيان أن كلمة الوصي شاعت في إطلاقها على علي، وإن كنا نشك في نسبة هذه الأبيات إلى قائليها.
وقد أداهم هذا النظر إلى أمور: منها القول بعصمة الأئمة علي ومن بعده؛ فلا يجوز الخطأ عليهم، ولا يصدر منهم إلا ما كان صوابا؛ ومنها رفع مقام علي عن غيره من الصحابة حتى أبي بكر وعمر؛ ولأقص عليك مثلا مما يقوله ابن أبي الحديد في علي مع أنه يعد من معتدلي الشيعة، قال: «يقول أصحابنا - وقد سلكوا طريقة مقتصدة - إن عليا أفضل الخلق في الآخرة، وأعلاهم منزلة في الجنة، وأفضل الخلق في الدنيا، وأكثرهم خصائص ومزايا ومناقب، وكل من عاداه أو حاربه أو أبغضه إنه عدو الله سبحانه وتعالى وخالدا في النار مع الكفار والمنافقين، إلا أن يكون ممن ثبتت توبته ومات على توليه وحبه؛ فأما الأفاضل من المهاجرين والأنصار الذين ولوا الإمامة قبله، فلو أنه أنكر إمامتهم وغضب عليهم، فضلا عن أن يشهر عليهم السيف أو يدعو إلى نفسه، لقلنا إنهم من الهالكين، كما لو غضب عليهم رسول الله
صلى الله عليه وسلم
وآله؛ لأنه قد ثبت أن رسول الله قال له «لعلي»: حربك حربي وسلمك سلمي؛ وأنه قال: اللهم وال من والاه، وعاد من عاداه؛ وقال له: لا يحبك إلا مؤمن، ولا يبغضك إلا منافق؛ ولكنا رأيناه رضي إمامتهم وبايعهم وصلى خلفهم ... فلم يكن لنا أن نتعدى فعله ولا نتجاوز ما اشتهر عنه، ألا ترى أنه لما برئ من معاوية برئنا منه؟ ولما لعنه لعناه؟ ولما حكم بضلال أهل الشام ومن كان فيهم من بقايا الصحابة كعمرو بن العاص وعبد الله ابنه وغيرهما حكمنا أيضا بضلالهم! والحاصل أنا لم نجعل بينه وبين النبي