9
كلها أشد بصائر من الخوارج، ولا أشد اجتهادا، ولا أوطن أنفسا على الموت، منهم الذي طعن فأنفذه الرمح فجعل يسعى إلى قاتله ويقول:
وعجلت إليك رب لترضى ، وأرسل معاوية رجلا إلى ابنه من الخوارج ينصحه بالرجوع إلى قتال معاوية فأبى، فأداره فصمم، فقال له: أي بني أجيئك بابنك لعلك تراه فتحن إليه، فقال له: يا أبت! أنا والله إلى طعنة نافذة أتقلب فيها على كعوب الرمح أشوق مني إلى ابني؛ وكان الخارجي يقاتل على السوط يؤخذ منه أشد قتال، وقال كعب: «إن فتك الحرورية يفضل فتك غيرهم بعشرة أبواب»: وأرسل ابن زياد أسلم بن زرعة في ألفين لمحاربة فرقة من الخوارج، فهزمه أبو بلال الخارجي في أربعين من أصحابه، فقال له ابن زياد: ويلك! أتمضي في ألفين فتنهزم لحملة أربعين؟ فكان إذا خرج أسلم إلى السوق أو مر بصبيان صاحوا به: أبو بلال وراءك! واشتركت نساء الخوارج في القتال مع رجالهن، فقد حدثنا الرواة عن كثير من نسائهم أبلين في القتال خير بلاء، كالذي روى أبو الفرج في الأغاني أن امرأة من الخوارج كانت مع قطري بن الفجاءة يقال لها: أم حكيم، وكانت من أشجع الناس وأجملهم وجها، وأحسنهم بالدين تمسكا، وخطبها جماعة من الخوارج فردتهم ولم تجبهم، وأخبر من شاهدها في الحرب أنها كانت تحمل على الناس وترتجز:
أحمل رأسا قد سئمت حمله
وقد مللت دهنه وغسله
ألا فتى يحمل عني ثقله
هذه الصفات أعني الشدة في الدين، والإخلاص للعقيدة، والشجاعة النادرة، يضاف إليها العربية الخالصة، هي التي جعلت للخوارج أدبا خاصا يمتاز بالقوة شعرا ونثرا: تخير للفظ، وقوة في السبك، وفصاحة في الأسلوب، لج عبيد الله بن زياد في حبس الخوارج وقتلهم فكلم فيهم فأبى وقال: أقمع النفاق قبل أن ينجم، لكلام هؤلاء أسرع إلى القلوب من النار إلى اليراع؛ وأتي عبد الملك بن مروان برجل منهم فدعاه عبد الملك إلى الرجوع عن مذهبه، ثم زاد في الاستداعاء، فقال الخارجي؛ لتغنك الأولى عن الثانية، وقد قلت فسمعت فاسمع أقل، قال له: قل، فجعل يبسط له من قول الخوارج ويزين له من مذهبهم بلسان طلق، وألفاظ بينة، ومعان قريبة، فقال عبد الملك: «لقد كاد يوقع في خاطري أن الجنة خلقت لهم وأني أولى بالجهاد منهم، ثم رجعت إلى ما ثبت الله علي من الحجة، وقرر في قلبي من الحق» واشتهر منهم مصاقع الخطباء؛ كأبي حمزة، وقطري بن الفجاءة، وفحول الشعراء: كعمران بن حطان والطرماح؛ ومن أشهر علمائهم باللغة والأدب أبو عبيدة معمر بن المثنى، وهو من أوسع أهل البصرة علما باللغة والأدب والنحو وأخبار العرب وأيامها، ومن أكثر المؤلفين في صدر الدولة العباسية، فقد روي له نحو من مئتي مصنف، وهو أحد الأفراد القلائل من الموالي الذين اعتنقوا مذهب الخوارج، فهو من أصل يهودي فارسي، وكان يكره العرب ويؤلف في مثالبها، وليس هنا موضع عرض أدب الخوارج والمختار من شرهم ونثرهم وميزتهم في الأدب عمن عداهم، فموضع ذلك الجزء الخاص بالحياة الأدبية من كتابنا إن شاء الله.
الفصل التاسع عشر
| الشيعة
كانت البذرة الأولى للشيعة الجماعة الذين رأوا بعد وفاة النبي
صلى الله عليه وسلم
أن أهل بيته أولى الناس أن يخلفوه، وأولى أهل البيت العباس عم النبي وعلي ابن عمه، وعلي أولى من العباس، لما بينا من قبل، والعباس نفسه لم ينازع عليا في أولويته للخلافة، وإن نازعه في أولويته في الميراث في «فدك»
1 .
وظهرت فكرة الدعوة لعلي بسيطة كما يدل عليه التاريخ، وتتلخص في أن لا نص على الخليفة، فترك الأمر لإعمال الرأي، فالأنصار أداهم رأيهم إلى أنهم أولى بها، والمهاجرون كذلك، وأصحاب علي إلى أن الخلافة ميراث أدبي، ولو كان النبي يورث في ماله لكان أولى به قرابته، فكذلك الإرث الأدبي، ولم يرد من طريق صحيح أن عليا ذكر نصا من آية أو حديث يفيد أن رسول الله عينه للخلافة، ولو كان لديه نص وذكره لما بقي الأنصار والمهاجرون على رأيهم ولبايعوه؛ بل ما بين أيدينا من تاريخ يدل على أن عليا بايع أبا بكر، وإن كان بعد تلكؤ، كما بايع عمر وعثمان من بعده، كل ما صح عن علي أنه كان يرى أنه كان أولى بالأمر منهم، ويحتج بأنه وأهل بيته الثمرة وقريش الشجرة، والثمرة خير ما في الشجرة، ويروي البخاري عن ابن عباس أن عليا (رضي الله عنه) خرج من عند النبي