7 .
وكان مما حاربهم به المهلب بن أبي صفرة اختلاق الأحاديث عليهم، فقد كان يضع الحديث ليشد به أزر قومه ويضعف به من أمر الخوارج ما اشتد، ويقول: إن الحرب خدعة، وكان حي من الأزد إذا رأوا المهلب خارجا قالوا: «راح يكذب!» وفيه يقول رجل منهم:
أنت الفتى كل الفتى
لو كنت تصدق ما تقول!
8
ولعل هذا وأمثاله هو السر فيما ترى من أحاديث كثيرة ملئت بها كتب التاريخ والأدب في ذم الخوارج. •••
كان أكثر من اعتنق مبدأ الخوارج عربا بدوا، وقد انضم إليهم بعض الموالي إعجابا برأيهم الديمقراطي في الخلافة، فليس بضروري أن يكون من قريش ولا من العرب، فهم في نظرهم إلى الخلافة شعوبيون، ولكن مع هذا لم ينضم إليهم من الموالي إلا قليل؛ لأنهم وأكثرهم بدو شديدو العصبية لجنسهم، يحتقرون الموالي ويزدرونهم، روى ابن أبي الحديد أن رجلا من الموالي خطب امرأة خارجية فقالوا لها: «فضحتنا»، ولولا هذه العصبية العربية الجافة لتبعهم من الموالي كثير.
والناظر في تاريخهم يتبين فيهم مميزات واضحة أهمها: (1)
التشديد في العبارة والانهماك فيها، يصفهم الشهرستاني بأنهم أهل صوم وصلاة، ويصفهم المبرد «بأنهم في جميع أصنافهم يبرءون من الكاذب ومن ذي المعصية الظاهرة»، وقد قتل أحدهم زياد، ثم دعا مولاه فاستوصفه أمره؛ فقال: «ما أتيته بطعام بنهار قط، ولا فرشت له فراشا بليل قط».
ولما أرسل علي عبد الله بن العباس لأهل النهروان من الخوارج «رأى منهم جباها قرحة لطول السجود وأيديا كثفنات الإبل، عليهم قمص مرحضة وهم مشمرون»، ولعل خير ما قيل فيهم ما قاله أبو حمزة الخارجي في وصف أصحابه: «شباب والله مكتهلون في شبابهم، غضيضة عن الشر أعينهم، ثقيلة عن الباطن أرجلهم، أنضاء عبادة، وأطلاح سهر، فنظر الله إليهم في جوف الليل منحنية أصلابهم على أجزاء القرآن، كلما مر أحدهم بآية من ذكر الجنة بكى شوقا إليها، وإذا مر بآية من ذكر النار شهق شهقة كأن زفير جهنم بين أذنيه، موصول كلالهم بكلالهم، كلال الليل بكلال النهار، قد أكلت الأرض ركبهم وأيديهم وأنوفهم وجباههم، واستقلوا ذلك في جنب الله، حتى إذا رأوا السهام قد فوقت، والرماح قد أشرعت، والسيوف قد انتضيت، ورعدت الكتيبة بصواعق الموت وبرقت، استخفوا بوعيد الكتيبة لوعيد الله، ومضى الشاب منهم قدما حتى اختلفت رجلاه على عنق فرسه، وتخضبت بالدماء محاسن وجهه، فأسرعت إليه سباع الأرض، وانحطت إليه طير السماء، فكم من عين في منقار طير، طالما بكى صاحبها في جوف الليل من خوف الله! وكم من كف زالت عن معصمها، طالما اعتمد عليها صاحبها في جوف الليل بالسجود لله» وقد غلوا في أنظارهم حتى عدوا مرتكب الكبيرة - وأحيانا الصغيرة - كافرا، وخرجوا على أئمتهم للهفوة الصغيرة يرتكبونها، وتشدد كثير منهم في النظر إلى غيرهم من المسلمين فعدوهم كفارا، بل كانوا يعاملونهم أشد من معاملة الكفار، ويحكون أن واصل بن عطاء - رأس المعتزلة - وقع في أيديهم فادعى أنه «مشرك مستجير» ورأى أن هذا ينجيه أكثر مما تنجيه دعواه أنه مسلم مخالف لهم، وكذلك كان؛ واشتدوا في معاملة مخالفيهم من المسلمين، حتى كان كثير منهم لا يرحم المرأة ولا الطفل الرضيع ولا الشيخ الفاني، بل لم يرضوا من مخالفيهم أن يقولوا: إن عليا أخطأ في التحكيم، وعثمان أخطأ فيما أحدث، بل لا بد أن يقر بكفرهما وكفر من ناصرهما، وطلبوا من عبد الله بن الزبير أن يتبرأ من أبيه، ولم يكتفوا من عمر بن عبد العزيز بعدله وجمال سيرته، بل طلبوا منه كذلك أن يتبرأ مما تبرءوا هم منه، وأن يلعن أسلافه من بني أمية؛ ولعل هذا التشدد وإقدامهم على سفك دماء معارضيهم هو أكبر ما شوه حركتهم. (2)
أخلصوا لعقيدتهم وقاتلوا دفاعا عنها، ولهذا نظر إليهم كثير من خيرة الناس نظرة عطف وإشفاق، فقد روي أن علي بن أبي طالب في أواخر أيامه قال: «لا تقاتلوا الخوارج بعدي، فليس من طلب الحق فأخطأه كمن طلب الباطل فأدركه»، يريد أن الخوارج طلبوا الحق وحاموا عن عقيدة اعتقدوها وإن أخطئوا فيها، وأما معاوية فكان لا يطلب حقا وإنما كان يطلب باطلا ويحامي عنه وقد أدركه، وقال عمر بن عبد العزيز - لبعض الخوارج -: «إني قد علمت أنكم لم تخرجوا مخرجكم هذا لطب دنيا أو متاع، ولكنكم أردتم الآخرة فأخطأتم سبيلها»، وقد حملهم شديد إيمانهم أن ينتهزوا كل فرصة للدعوة إلى مبادئهم جهرا، ويرسلوا الرسل إلى خلفاء بني أمية يدعونهم، ولم يضنوا بأي نوع من أنواع التضحية؛ فتاريخهم مملوء بالشجاعة النادرة، يقول صاحب العقد الفريد: «وليس في الأفراق