لم يكن علي حاضرا هذا الاجتماع لاشتغاله هو وأهل بيته في جهاز رسول الله
صلى الله عليه وسلم
وأخذ العدة لدفنه، فلما بلغه خبر البيعة لأبي بكر لم يرض عنها، وتكون رأي ثالث وهو أن تكون الخلافة في بيت النبي، وأقرب الناس إليه
صلى الله عليه وسلم
عمه العباس بن عبد المطلب وابن عمه علي بن أبي طالب، ولكن العباس لم يكن من السابقين إلى الإسلام، فقد حضر غزوة بدر مع المشركين، ولم يسلم إلا آخرا، فأولى الناس من قرابة النبي علي بن أبي طالب، وهو من أول الناس إسلاما، وزوج فاطمة بنت النبي
صلى الله عليه وسلم ، وجهاده وفضله وعلمه لا ينكر؛ وحجة أصحاب هذا الرأي أن أقرب الناس إلى النبي أولى أن يخلفوه، وأن بيت بني هاشم خير من بيت أبي بكر، فالعرب للأولين أطوع، وأن المهاجرين احتجوا على الأنصار بأنهم قوم النبي وعشيرته فآل النبي وأقربهم إليه أولى، كما جاء في نهج البلاغة أن عليا سأل عما حدث في سقيفة بني ساعدة فقال: فماذا قالت قريش؟ قالوا: احتجت بأنها شجرة الرسول
صلى الله عليه وسلم ، فقال علي: «احتجوا بالشجرة، وأضاعوا الثمرة!» يريد أن المهاجرين احتجوا بأنهم من شجرة النبي، فأولى بالاحتجاج من يجمعهم والنبي أنهم من ثمرة قريش، وهم قرابته، وسواء صح هذا القول عن علي أم لم يصح فهو تعبير صادق عما في نفسه، ودعا إلى هذا الرأي علي، وأيده بعض بني هاشم، وأيده الزبير بن العوام، وعطف عليه بعض الأنصار لما كان موقفهم وموقف علي سواء في ضياع الأمر من أيديهم، ولم يبايع علي أبا بكر إلا بعد لأي.
وظلت النظريات الثلاث تتعارض، ووجد في العصور المختلفة من يؤيدها ويدافع عنها، حتى النظرية الأولى - وهي نظرية الأنصار - فقد كان قوم يعتنقونها وإن لم يظهروا ظهورا بينا في التاريخ
1 ، أما النظريتان الأخيرتان فكانت الحرب بينهما أحكم، والجدال أشد.
لم تمت النظرية القائلة بأولوية علي في عهد أبي بكر وعمر؛ ولكن سكنت وخمدت، ساعد على خمودها عدل أبي بكر وعمر، وانتصافهما حتى من أنفسهما، وأنهما لم يعيرا العصبية القبلية أي التفات، وزاد في سكونها اشتغال الناس بالحروب والفتوح ونجاحهم، فلم يجد الناقمون مجالا يدخلون منه على الناس لإثارتهم الفتن.
ولما ولي عثمان تبرم علي وأنصاره، وزادهم تبرما أن عثمان - وهو أموي - استعان بالأمويين، فكان أكثر عماله منهم، وكان كاتبه وأمين سره مروان بن الحكم الأموي، ومروان هذا وشيعته هدموا كل ما بناه الإسلام من قبل ودعمه أبو بكر وعمر؛ من محاربة العصبية القبلية، وبث الشعور بأن العرب وحدة، وحكموا كأمويين لا كعرب، فحرك ذلك ما كان كامنا من العداوة القديمة الجاهلية بين بني هاشم وبني أمية، وانتشرت الجمعيات السرية في آخر عهد عثمان تدعو إلى خلعه وتولية غيره؛ ومن هذه الجمعيات من كانت تدعو إلى علي، ومن أشهر الدعاة له عبد الله بن سبأ - وكان من يهود اليمن فأسلم - فقد تنقل في البصرة والكوفة والشام ومصر يقول: «إنه كان لكل نبي وصي، وعلي وصي محمد، فمن أظلم ممن لم يجز وصية رسول الله ووثب على وصيه!» وكان من أكبر الذين ألبوا على عثمان حتى قتل.
لما قتل عثمان بايع عليا كثير من المسلمين فتحققت بذلك نظرية القائلين بحق علي في الخلافة من يوم وفاة رسول الله، وأيده كثير من كبار المهاجرين لأنطباق نظريتهم عليه أيضا، وخرج على علي طلحة والزبير ومعاوية، وكلهم يلصق بعلي تهمة أن له ضلعا في قتل عثمان وعلى أقل تقدير أنه قعد عن نصرته، وكان في استطاعته رد الناس عنه؛ وكان من حجة بعضهم أنه - وقد بويع - يجب عليه أن يقتص من قتلة عثمان؛ ويقول كل من طلحة والزبير: إنه أولى بالمطالبة بدم عثمان؛ لأنه من الستة الذين انتخبهم عمر للشورى ، ومن السابقين الأولين للإسلام، ويقول معاوية: إنه أولى الناس رحما بعثمان، وأقوى أهل بيته على المطالبة بدمه.