33 .
فهو يريد أن يقرر أن مدنية البلد الذي نشأ فيه الإمام أو بداوته لهذا أثر خاص في تكوين مذهبه، من كثرة فروع وقلتها، بل يظهر أن لها كذلك أثرا في تكوين رأيه، ولو استعرضنا بعض خلافات بين الفقهاء لوجدنا ذلك واضحا؛ فمن ذلك مثلا أن أبا حنيفة يجوز أن يفتتح الصلاة بالفارسية بدل أن يقول: «الله أكبر» بالعربية، ولو كان قادرا على قولها بالعربية، ويجوز أن يقرأ القرآن بالفارسية، وخالفه في ذلك الإمام مالك والشافعي
34 ، ومثل تجويز الإمام أبي حنيفة أن تزوج المرأة الحرة المكلفة نفسها من غير ولي، وقال مالك والشافعي: لا يجوز إلا بولي
35 .
والظاهر أن هذا المنزع أعني تقدير الإمام للظروف التي تحيط به وتأثيرها في آرائه إنما يكون حيث لا يصح نص عند الإمام، فأما إذا صح فلم يكن لهذه الظروف أثر في تكوين رأيه؛ ودليلنا على ذلك مثلا ما نرى من أن مذهب أبي حنيفة اعتبار الكفاية في الزواج نسبا، فقريش عنده أكفاء لبعض، وليس سائر العرب أكفاء لقريش، الموالي ليسوا بكفء للعرب، مع أن الإمام مالكا يقول: لا تعتبر الكفاءة إلا في الدين؛ لأنه صح عنده قوله عليه الصلاة والسلام: «الناس سواسية كأسنان المشط: لا فضل لعربي على عجمي، إنما الفضل بالتقوى»
36
ولو كانت المسألة لتقدير الظروف فقط لانعكس المذهبان.
| مصادر هذا الفصل
المستصفى للغزالي.
مسلم الثبوت.
صحيحا البخاري ومسلم.
مقدمة ابن خلدون.
الموافقات للشاطبي.
تاريخ ولاة مصر وقضاتها للكندي.
خطط المقريزي.
تفسير الطبري.
العقد الفريد لابن عبد ربه.
تيسير الوصول في جمع أحاديث الرسول.
أسباب النزول للواحدي.
التفسيرات الأحمدية في الآيات الشرعية.
أعلام الموقعين لابن القيم والطرق الحكمية له.
شرح الزيلعي على متن الكنز .
فتح القدير على الهداية.
الأم للإمام الشافعي.
نصب الراية في تخريج أحاديث الهداية للزيلعي.
وفيات الأعيان لابن خلكان.
الديباج المذهب في معرفة أعيان علماء المذهب لابن فرحون.
تاريخ التشريع الإسلامي للمرحوم الشيخ محمد الحضري.
دائرة المعارف الإسلامية في مادة «فقه».
Abdurahim, Muhammadan Jurisprudence .
Macdonald, Muslim Theology .
Goldziher, Le Dogma et Le Loi de Ľ Islam .
الجزء
السابع
| الفرق الدينية
| كلمة في الخلافة وأنها أساس كثير من الفرق
كانت الخلافة أول مسألة اشتد فيها الخلاف بين المسلمين، وتشعبت فيها آراؤهم، وتكون حولها أهم الفرق الإسلامية في العصر الأول، وهي الخوارج والشيعة ثم المرجئة، فلنستعرض باختصار تام ما دار فيها حتى نتبين كيف نشأت هذه الفرق، تاركين تفصيل ذلك إلى الجزء الخاص بالتاريخ السياسي من كتابنا. توفي رسول الله
صلى الله عليه وسلم
ولم يعين من يخلفه، ولم يبين كيف يكون اختياره، فواجه المسلمون أشق مسألة وأخطرها، وعلى طريق سيرهم فيها كان يتوقف نجاحهم في الحياة السياسية أو فشلهم.
شعر المسلمون من لحظة وفاته
صلى الله عليه وسلم
بضرورة التفكير فيمن يخلفه، وأسرع الأنصار قبل دفنه إلى عقد اجتماع في سقيفة بني ساعدة ليبتوا في الأمر، وأدركهم أبو بكر وعمر وأبو عبيدة بن الجراح وغيرهم خشية ألا ينظر الأنصار في الأمر إلا من جانبهم، وفي هذه السقيفة انقسموا إلى رأيين: رأي يقول: يجب أن يكون الخليفة من الأنصار، وحجتهم أن محمدا
صلى الله عليه وسلم
لبث في قومه في مكة نحو ثلاث عشرة سنة يدعوهم إلى الإسلام فما آمن منهم إلا قليل، ولا منعوا رسول الله من الأذى، ولا أعزوا الدين، فلما هاجر من مكة إلى المدينة نصره الأنصار وآمنوا به، وأعزوا دينه، ومنعوه وصحبه ممن أراد بهم سوءا، وكانوا معه على عدوه حتى خضعت له جزيرة العرب، وتوفي
صلى الله عليه وسلم
وهو عنهم راض، وبهم قرير عين، فهم أولى الناس أن يخلفوه.
وفريق آخر وهم المهاجرون يرون أن تكون الخلافة فيهم، وحجتهم أنهم أول من آمن به، وصبروا على الأذى ولم يستوحشوا لقلة عددهم، وهم قومه وعشيرته، وهم من قريش والعرب لا تدين إلا لهم ، ولا تقر بعزة ومنعة غير عزتهم ومنعتهم، فهم أولى بالخلافة من غيرهم؛ وبعد حوار طويل، واقتراح بعض الأنصار للتوفيق بين الرأيين: أن يكون منهم أمير ومن المهاجرين أمير، ورفض المهاجرين ذلك الاقتراح أيضا، تمت البيعة في هذا المجلس لأبي بكر التيمي القرشي.