تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

ووجدت في هذا الموقف طائفة من كبار الصحابة لم تبايع عليا ولم تبايع غيره، ولم تشترك في شيء من الخلاف القائم وفضلت العزلة؛ من أشهرهم: عبد الله بن عمر بن الخطاب، ومحمد بن مسلمة، وسعد بن أبي وقاص، وأسامة بن زيد، وحسان بن ثابت، وعبد الله بن سلام؛ ومن قول سعد بن أبي وقاص في ذلك: «إن رسول الله أمرني إذا اختلف الناس أن أخرج بسيفي فأضرب به عرض أحد، فإذا تقطع أتيت منزلي فكنت فيه لا أبرحه، حتى تأتيني يد خاطية أو منية قاضية».

فأما طلحة والزبير فقد انتهى أمرهما سريعا بانهزامهما وقتلهما في وقعة الجمل، وأما معاوية فكان أصعب منالا، إذ كان لديه جند الشام المنظم الطائع، وكان بين علي ومعاوية من وقعة صفين ما كان، فلما أحس معاوية بأن الدائرة كادت تدور عليه أوعز إلى جنوده برفع المصاحف على رءوس الرماح، وطلب التحكيم إلى كتاب الله.

هذه خلاصة تاريخية موجزة اضطررنا لذكرها؛ لأن عليها تأسست ثلاث فرق من أكبر الفرق الإسلامية؛ وهي: الخوارج، والشيعة، والمرجئة.

الفصل الثامن عشر

| الخوارج

لما كانت وقعة صفين بين علي ومعاوية، وطلب معاوية تحكيم كتاب الله اختلف أصحاب علي: أيقبلون هذا التحكيم؛ لأنهم يحاربون لإعلاء كلمة الله وقد دعوا إليها، أم لا يقبلون؛ لأنها خدعة حربية لجأ إليها معاوية وصحبه لما أحسوا بالهزيمة؟ وبعد جدال وتردد قبل علي التحكيم، واختار معاوية عمرو بن العاص ليمثله، واختار أصحاب علي أبا موسى الأشعري؛ إذ ذاك ظهر قوم من جند علي أكثرهم قبيلة تميم، نفروا من أن يحكم أحد في كتاب الله، ورأوا أن التحكيم خطأ؛ لأن حكم الله في الأمر واضح جلي، والتحكيم يتضمن شك كل فريق من المحاربين أيها المحق، وليس يصح هذا الشك؛ لأنهم وقتلاهم إنما حاربوا وهم مؤمنون - بلا شك - أن الحق في جانبهم، هذه المعاني المختلجة في نفوسهم صاغها أحدهم في الجملة الآتية : «لا حكم إلا لله»، فسرت الجملة سير البرق إلى من يعتنق هذا الرأي، وتجاوبتها الأنحاء، وأصبحت شعار هذه الطائفة.

طلبوا من علي أن يقر على نفسه بالخطأ بل بالكفر، لقبوله التحكيم، ويرجع عما أبرم مع معاوية من شروط، فإن فعل عادوا إليه وقاتلوا معه، فأبى علي، وكان موقفه في منتهى الدقة، فكيف يرجع عن اتفاق أمضاه، والدين يأمر بالوفاء بالعهود، ولو رجع لتفرق عنه أكثر أصحابه، وكيف يقر على نفسه بالكفر، ولم يشرك بالله شيئا منذ آمن، فضايقوه بالإكثار من «لا حكم إلا لله» فإذا خطب في المسجد قاطعوه بقولهم: «لا حكم إلا لله» فتجاوبت بها أنحاء المسجد، ورآه أحدهم فتلا:

ولقد أوحي إليك وإلى الذين من قبلك لئن أشركت ليحبطن عملك ولتكونن من الخاسرين ، يعرض به، وزاد بعض الناس ميلا إلى رأيهم فشل الحكمين في حكمهما، وخيبة الأملين في أن التحكيم يحقن الدماء ويعيد المسلمين إلى الوئام، حتى انضم إليهم بعض القراء - من جيش علي - فلما يئست هذه الجماعة من رجوع علي إلى رأيهم اجتمعوا في منزل أحدهم، وخطب خطيبهم يقول: «أما بعد؛ فوالله ما ينبغي لقوم يؤمنون بالرحمن، وينيبون إلى حكم القرآن، أن تكون هذه الدنيا ... آثر عندهم من الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، والقول بالحق، وإن من وضر، فإنه من يمن ويضر في هذه الدنيا فإنه ثوابه يوم القيامة رضوان الله عز وجل، والخلود في جناته، فاخرجوا بنا إخواننا، من هذه القرية الظالم أهلها إلى بعض كور الجبال، أو إلى بعض هذه المدائن منكرين لهذه البدع المضلة»، ثم خرجوا إلى قرية قريبة من الكوفة تسمى «حروراء»، وسموا حينذاك بالحرورية نسبة إلى هذه القرية، وبالمحكمة - أي الذين يقولون لا حكم إلا لله - وهما اسمان كثيرا ما يطلقان على الخوارج، وأمروا عليهم رجلا منهم اسمه عبد الله بن وهب الراسبي، واسم الخوارج جاء من أنهم خرجوا على علي وصحبه، وإن كان منهم من يشتق اسم الخوارج من الخروج في سبيل الله أخذا من قوله تعالى:

فجر الإسلام · الصفحة ١٢١

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

فجر الإسلامص ١٢١